يبيّن المؤلف عبد الفتاح رواس قلعة جي في كتابه «التواشيح والأغاني الدينية في حلب» كيف أن حلب أخذت نصيبها من الفن الغنائي، فقد حفلت المدينة بألوان من الشعر العربي الفصيح والشعبي تمثل في التواشيح والقدود والقصائد والمواويل العتابا.

وردّد السكان هذا الإرث الشعري بحسهم الفطري، ومن هذه الأغاني الموشحات الدينية التي كانت تنشد في الموالد وفي المناسبات الإسلامية المختلفة من أداء فريضة الحج وقدوم الأعياد وحلول رمضان، وغيرها، وفي المناسبات الاجتماعية المتعددة مثل: ختم القرآن ـ الولادة ـ الزواج. وقد حفظت حلب هذه الموشحات وأضافت عليها من وحيها ما جعلها إرثاً شعبياً يردّده الخاصة والعامة.

الحلبيون في تلحينهم للموشح الديني أو الدينوي غير مضطرين دائماً إلى نصّ، نظم أصلاً على نظام الموشح، وإنما يعمدون أيضاً إلى القصيدة التي تعجبهم فيجعلون البيت الأول أو البيتين خانة ثم يقسمون القصيدة إلى أدوار لتغنى في قالب الموشح، وقد تغنى في مناسبة أخرى في قالب القصيدة.

منذ القرن العاشر الهجري شاع لدى شعراء حلب «تخميس» القصائد الشهيرة ذات المدلولات والرموز الدينية الصوفية، ووضعها في مجمل الغناء، وكانت تثبت في مجموعات مع المغنين والمنشدين مع الموشحات، وتغنى في قالب الموشح، ولهذا فإنها كعمل غنائي لا يمكن أن نفصلها عن الموشحات.

وكان (عبد الرحمن مدلّل) الشاعر والملحن والأستاذ لمادة اللغة العربية، غنى له محمد خيري موشح «باهي المحيا» وغنى له (صباح فخري) موشح «حيرّ الألباب» من مقام «راست» وبأسلوب «الطقطوقة»:

طمن قلبي وريحّ بالي بذكر طه حبيي الغالي

فجر هناي بدنياي أُنس حياتي نور آمالي

بذكر طه حبيبي الغالي

القدّ الحلبي هو حلول لحن قديم شائع في نصّ جديد اقتضته المناسبة أو تبدل الأحول، وهناك رأي آخر يقول: إنه سمّي بذلك لأنه يماثل قد المرأة رشاقة وحركة وجمالاً.

والطريف في الأمر أن من شعراء القدود امرأة، وهذا غير معهود في حلب، وهي (أم محمد التلاوية) المتوفاة عام 1917 م ولها على قدّ الأغنية الشعبية المشهورة:

يا حالي على البدوية وأنا مالي... مالي يا عنيّه

ومنهن أيضاً عائشة الدباغ والحاجة عائشة المسلمنيية من مطربات القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت مسيحية تزوجت شاباً مسيحياً ثم أسلمت وانفصلت عنه، ولم تتزوج بعده، ثم حجت وتعلمت القرآن، واشتغلت بالموسيقى والغناء للنساء فقط، تحيي لهن الموالد الدينية وتغني لهن في الأفراح، لكنها كانت كثيرة الصدقات، أنفقت ما جمعته على الفقراء وأعمال البرّ، وبقيت بارة بزوجها المسيحي تنفق عليه وتكلمه من وراء حجاب، توفيت أوائل القرن العشرين.

غنى الحلبيون قصائد كبار الشعراء والعرفانيين، أمثال «البوصيري وابن الفارض وابن عربي والسهروردي وعبد الغني النابلسي» وغيرهم كثير. ومن سمع في حلب أستاذ الغناء الديني «بكري كردي» وهو يغني قصيدة «ابن الفارض» «غير السلوان قادر» يدرك كيف استطاع هذا المبدع التلاعب بالنغمات، وكيف جاء بلحن رشيق فرح مرقص مخالف للأداء التقليدي للقصيدة:

غيري على السلوان قادر وسواي في العشاق غادر

يدرس المؤلف الموال الصوفي وموال الفاتحة والعتابا الدينية والأذكار وأين كانت تنشد وابتهالات رمضان وأناشيد واحتفال المولد النبوي الشريف ينهيها بذكرى الهجرة النبوية، ولا ينسى أن يمر على الآذان والتساميع والتسابيع والتجاويق وطقوس نصف شعبان وتكبيرات العيد ووداع واستقبال حجاج بيت الله الحرام. ويختم كتابه بأشهر المطربين الذين مرّوا على مدينة حلب، وغنوا هذه الأغاني.

غيري على السلوان قادر وسواي في العشاق غادر

يدرس المؤلف الموال الصوفي وموال الفاتحة والعتابا الدينية والأذكار وأين كانت تنشد وابتهالات رمضان وأناشيد واحتفال المولد النبوي الشريف ينهيها بذكرى الهجرة النبوية، ولا ينسى أن يمر على الآذان والتساميع والتسابيع والتجاويق وطقوس نصف شعبان وتكبيرات العيد ووداع واستقبال حجاج بيت الله الحرام. ويختم كتابه بأشهر المطربين الذين مرّوا على مدينة حلب، وغنوا هذه الأغاني.

الانتقال من الاندلس إلى حلب

انتقلت الموشحات من الأندلس إلى المغرب، ومنه إلى حلب، ومن حلب إلى مصر على يد «شاكر أفندي الحلبي». وقد أثرت في عبده الحامولي وسيد درويش الذي أخذ عن (صالح الجذبة) و(عمر البطش). ولا ننسى أن حلب كانت مجتمعاً خليطاً تجتمع فيه عادات تقاليد وفنون متعدّدة، وتتزامن فيه الموسيقى الكنسية مع الأذكار والأناشيد الدينية والإسلامية.

المؤلف في سطور

ولد الكاتب في حلب 1938، ودرس فيها، نال الإجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق، وعمل مدرساً للغة العربية في حلب، ثم كاتباً درامياً في الإذاعة، فرئيساً لفرقة المسرح الشعبي فيها، وعضواً لتاريخ الجمعية العربية السورية لتاريخ العلوم عند العرب.

له كثير من الكتب، نذكر أهمها: خير الدين الأسدي 1980، أحياء حلب وأسواقها 1985، مدخل إلى علم الجمال الإسلامي 1991، عماد الدين النسيمي 1991، أبو خليل القباني 2000، عمر البطش 2004، وفي المسرح: عرس حلبي 1984، اختفاء وسقوط شهريار 1997، نصوص من المسرح التجريبي 2001، مدينة من قش 2003، سيد الوقت الشهاب السهروردي 2006،و له في الشعر: مسافر إلى أروى 1994، وسيدة الحروف 1999، في الرواية: معراج الطير الحبيس 2004.

فيصل خرتش

الكتاب: التواشيح والأغاني الدينية في حلب

تأليف: عبد الفتاح رواس قلعة جي

الناشر: مؤسسة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري الكويت 2007

الصفحات: 230 صفحة

القطع: المتوسط