يتناول كتاب «الخروج من الاستلاب» لمؤلفه الباحث السوري أحمد حيدر موضوع الاستلاب الذي يعني ضياع الوعي والضلال المعرفي والإسقاط الخاطئ على موضوع لا يملك الجدارة ولا يتناسب مع إسقاطنا.
فالاستلاب يدخل فيه عنصر التخيل والوهم، وهذا ما يضللنا، فلا نرى الطبائع الأصلية للأشياء، والأشد خطورة أن نرفع البشر إلى مستويات مثالية متناقضة مع طبيعتهم الأصلية، وهم يبدون لنا من خلال الصور المثالية التي أسقطنا عليهم، والاستلاب ينتج عن علاقة بين الإنسان والعالم الذي يحيا ضمنه، وبرأي المؤلف هنالك نماذج بشرية مهيأة للاستلاب لأن شريان الطفولة لا يزال حيا عندها فهي على علاقة حميمية وصميمية مع عالمها.. الناس والأشياء وخصوصا البشر.
ويشير المؤلف إلى موضوع التصعيد أو «التسامي» كسبيل للخروج من الاستلاب فيقول: التصعيد هو طريق التعالي، وهو مرتبط بالذات المنفتحة على آفاق الرؤية والتأمل في ممكنات الوجود، فالتصعيد رحلة شاقة لا تستقر عند موضوع معين، ولكن عند حالة انفتاح كاملة من التأمل والرؤية، أي النظرة الميتافيزيقية التي لا انفصال فيها بين التأمل والرؤية، النظرة التي يكشف فيها الوجود عن نفسه.
ولذلك فهي ذات طابع أنطولوجي ( وجودي) فهي من طبيعة الوجود الحق نفسه، من طبيعة الماهية التي تتكشف من خلال علاقة ما بالوجود، إنها نظرة الفنان نفسه، اللحظة الجمالية الأصلية التي تضعنا في حضرة الوجود، لا الجمالية الزائفة التي تنتهي إلى الرغبة النرجسية، والتصعيد هو التعالي الذي يتأسس على ضرب من علاقة الإنسان مع نفسه، علاقة حوار معها لينقيها من شوائبها ويضعها في مستوى الانفتاح، أي في مستوى الحقيقة.
وهذا ما يقتضي الإخلاص، الصدق مع الذات وهذا نقيض الرياء والتواطؤ مع الرغبة النرجسية ونزواتها، والتصعيد ينطلق من السمات الأخلاقية للأنا من الكرامة الذاتية البدئية، وبتعبير (كانطي) من الشعور بالاحترام للذات والآخر، فهذا الشعور هو الذي يحمل الإنسان على توجيه رغبته في اتجاه الحقيقة والقيمة الأخلاقية، وتوجيه الرغبة يقتضي الصدق مع الذات أو الإخلاص لها، ولكن الرغبة مراوغة، فهي تضللنا وتحول بيننا وبين رؤية الحقيقة.
ويناقش المؤلف موضوع التدين العصابي فيرى أن هذا التدين قد نقل الاستلاب من علاقة سحرية بالسماء إلى علاقات سحرية ضمن المجتمع نفسه، فالمتدين العصابي يضع جماعته الدينية ضد جماعة دينية أخرى من المجتمع نفسه، ويسقط الفرد على جماعته كل مشاعر الانتماء والحب، وعلى الأخرى كل مشاعر النبذ والرفض والعدوانية، فالتضليل يفتت الهوية الاجتماعية إلى هويات طائفية مشحونة بالخوف والحقد، يحوِل الدين من هوية اجتماعية تجعل من المجتمع كلا إلى هويات زائفة تضلل أصحابها، وهكذا يتمزق شمل المجتمع وتبقى السلطة مصونة.
وبعد الرؤية النقدية الآنفة الذكر يطرح المؤلف مصطلحا جديدا على ساحة الفكر والثقافة وهو «الاشتراكية الأخلاقية» التي يجدها صيغة ثقافية مع الميتافيزيقيا الحديثة، ميتافيزيقيا الإنسان، وهي امتداد غائية الإنسان، أي نزوعه نحو تحقيق طبيعته الأصلية أو مفهومه الحق ببعديه :
البعد البيولوجي ـ الاقتصادي، والبعد الثاني هو بعد الحرية الإنسانية الذي يقوم على قاعدة البعد الأول الذي يدعوه المؤلف بعد الضرورة أي الضرورة البيولوجية هذه الاشتراكية التي تحقق ماهية الإنسان أو طبيعته الأصلية هي ـ بحسب المؤلف- الاشتراكية الأخلاقية، وهي أخلاقية لأنها
أولا : منوطة بالإنسان بصفته منطلقها ومعيارها وحاملها إلى العالم لإدخالها في بنيته باسم الحق الطبيعي للإنسان، فهي قضية الإنسان الأساسية، ولأنها
ثانيا : لا تنتمي إلى أية وساطة أيديولوجية خارج الإنسان نفسه مثل وساطة الاقتصاد في الاشتراكية الماركسية التي تعتبر نفسها (اشتراكية علمية) منوطة بالصيرورة الاقتصادية.
الكتاب قيم من جهة الطرح الفلسفي العميق والجدة في الأفكار والتحليلات، والإتيان بمصطلحات جديدة تناسب سيرورة التطور التاريخي لشعوب ومجتمعات العالم
التدين العصابي
يناقش أحمد حيدر موضوع التدين العصابي فيرى أن هذا التدين قد نقل الاستلاب من علاقة سحرية بالسماء إلى علاقات سحرية ضمن المجتمع نفسه، فالمتدين العصابي يضع جماعته الدينية ضد جماعة دينية أخرى من المجتمع نفسه، ويسقط الفرد على جماعته كل مشاعر الانتماء والحب، وعلى الأخرى كل مشاعر النبذ والرفض والعدوانية.
المؤلف في سطور
أحمد حيدر مفكر وباحث سوري من مدينة اللاذقية يحمل إجازة في الفلسفة جامعة دمشق 1955، ألف عدة كتب فكرية و فلسفية منها: طريق الإنسان الجديد بين الحرية والاشتراكية وإعادة إنتاج الهوية و1997 مقالات فلسفية والعطالة والتجاوز والجمالية والميتافيزيقيا.
حواس محمود
الكتاب: الخروج من الاستلاب
تأليف : أحمد حيدر
الناشر : الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2008
الصفحات : 144 صفحة
القطع: الكبير

