الكتابة عن الجنس والثقافة الجنسية في الدول العربية والإسلامية عامة تثير في النفس الخوف والحذر وتبعث على الريبة لدى البعض خاصة المتشددين لأنه يقترن دائمًا، من وجهة نظرهم، بالانحلال الخلقي والخروج عن المبادئ والقيم والدين التي تربينا عليها في مجتمعاتنا الشرقية.
ومن أجل التنوير بالثقافة الجنسية الإسلامية وعلاقة الحب للشباب المسلمين، صدر كتاب «ثقافة الجنس في الأديان السماوية» للكاتب الصحفي فوزي شعبان، الذي يوضح في مقدمة كتابه أن تدريس الثقافة الإسلامية الجنسية في المدارس سوف يجعل منها مادة علنية ومباحة وليست خطيئة، ومن ثم يصبح الحديث عنها، والكلام فيها، سهلاً، لا حرمة فيه، وبعيدًا عن كل شبهة والتي يخاف الكثيرون الوقوع فيها، كما أن تدريس المبادئ العامة للثقافة الإسلامية الجنسية سوف يرسخ في النفوس أنها جزء من الثقافة العامة والإسلامية، وهذا حق لا زيف فيه.
وفي قصة خلق آدم وهبوطه من الجنة، يرى المؤلف أن الله سبحانه وتعالى أراد بهذه الشجرة أن يكون هناك محظور يقف عنده هذا الجنس ولا يتجاوزه وأن يعلم إرادته ورغباته وشهواته وأن هناك حدًا أعلى لا يمكن تجاوزه، وأن يتعود على التحكم فيها، وبعد أن أكلا، ظهرت لهما عوراتهما (سوءاتهما)، وكانا من قبل لا يريان ذلك، ومعنى ظهورها لهما، أن شهوة التناسل دبت فيهما بتأثير الأكل من الشجرة، فنبهتهما إلى ما كان خفي عنها من أمرهما، فخجلا من ظهورها، وشعرا بالحاجة إلى سترها وشرعا يخصفان (يلزتان) أو يضعان ويربطان على أبدانهما من ورق الجنة.
ينتقل المؤلف إلى الفراعنة، فيقول: أصدرت الكاتبة ليزمانيش كتاب «الحياة الجنسية عند قدماء المصريين» قدمت فيه حكايات عن طبيعة هذه العلاقات، واستمدت معظمها من حكايات المؤرخ اليوناني هيرودوت، ومنها تلك الاحتفالات الشعبية التي يقوم بها النساء والرجال في مصر، حيث يذهبون إلى مدينة «بوبسطيس» مقر الآلهة المصرية «باسنت» وسط الأهازيج الشعبية والرقصات، والطبول من الجميع، فإذا بلغوا في طريقهم مدينة من المدن رسوا بمركبهم بجوار شاطئها ثم أخذوا يسخرون من نساء هذه المدينة ورجالها، ويكشفون عن سوءاتهم أمامهم.
ويشير المؤلف إلى الحفلات الموسيقية للفراعنة، فيقول: كان المصريون القدماء مغرمين بالموسيقى والرقص، وكانت هناك حفلات خاصة للرجال، ترقص فيها النساء، وتعزف الموسيقى للمحبين، وناشدي المتعة والسمر والأوقات السعيدة، ونادرًا ما كان يغيب العود أو القيثارة عن لحظات الحب والمتعة، ولم يعرف الفراعنة الشذوذ الجنسي ـ كما كان عليه الحال في أوروبا ـ ولكن كان هناك الأدب الفرعوني الذي يتضمن الكثير من الشعر الذي يتحدث عن العلاقات العاطفية والجنسية والحب العذري.
يضيف المؤلف، قائلاً: عثر على بردية تذكر المحرمات التي يجب عليها عدم عملها، حتى تنصلح الأمور، وهي تتضمن مجموعة من الطرائف، والأعمال السحرية التي تقرب قلوب الأحبة، أو تقوي العلاقات الجنسية، فهي تحرم الاتصال الجنسي في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثالث لفصل الفيضان، سواء للرجل أو الأنثى!!.
وحول الجنس عند اليهود،يقول: لم تختلف الحياة الجنسية لدى اليهود «العبرانيين» عن غيرها من شعوب العالم القديم، واكتسب اليهود كثيرًا من العادات الجنسية المصرية الفرعونية فعرفوا كيف يعاملون الأنثى، ويتقربون إليها، ويقولون فيها كلمات الحب والغزل، كما عرفوا من المصريين المواد الزراعية والفاكهة التي تعمل على تقوية الرجل جنسيًا.
ويلخص المؤلف الآيات التي وردت في القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر العلاقات الجنسية، والميل الفطري بين النساء والرجال، والزنى، والأعضاء الجنسية والتناسلية، فمن الآيات التي تشير إلى الميل الفطري بين النساء والرجال قوله تعالى(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب). (آل عمران 14)
وقال تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين) [البقرة: 223]، وقال سبحانه عن الأرحام(هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [آل عمران: 6].
وفي سياق الحديث عن ظاهرة التحرش الجنسي التي تحدث في تلك الفترة، يذكر المؤلف أول تحرش جنسي برجل، فيقول: من المؤكد أن هذا لم يكن هو أول تحرش جنسي من امرأة إلى رجل، ولكن حكاية نبي الله يوسف مع زوجة عزيز مصر، وهيامها به حتى أدخلته السجن، ثم أخرجته منه، ستظل إلى نهاية الدنيا رمزًا لتحرش المرأة العاشقة بمن تريد ولا يريدها، فمن كثرة إعجابها به، وهيامها برجولته وفحولته، وحسن وجهه وجماله، وصفته بأنه ملك ورفعته من صفوف الإنسانية، إلى درجات الملائكة، وهو قول، وصوف، فيه إعجاز كبير، وبلاغة رائعة من كلمات الله عز وجل.
وكانت السيدة سارة على عهد نبي الله إبراهيم عليه السلام أشهر امرأة في التاريخ تعرضت للتحرش الجنسي من قبل فرعون مصر، فقد كانت جميلة رائعة الحسن، صبوحة الوجه، باسمة الثغر، ورآها جند فرعون مصر في الشام، ووقعت السيدة سارة في الأسر، وأخذها الجند هدية إلى فرعون بعد أن أثارهم جمالها الأخاذ.
ودخلت السيدة سارة إلى قصر الفرعون، وألقى عليها الفرعون نظرة ولم يستطع أن يستردها ثانية، فقد ثبتت عيناه عليها وتجمدتا، وفي بلاد الشام تم خطف السيدة سارة من جديد، وكان خاطفها هذه المرة هو «إبيمالك» ملك جرار، وأراد أن يتحرش بها جنسيًا، ولم يستطع، فأراد أمام جمالها، وكبريائها، وإصرارها، وشخصيتها القوية أن يتخذ منها زوجة، ولكنها رفضت، فحبسها.
وأخيرًا، عادت السيدة سارة إلى إبراهيم عليه السلام بعناية الله ولطفه بها وبإبراهيم، ولكي يحفظها نقية طاهرة لا يلوثها أحد بكلمات أو أفعال، فهي زوجة نبي ورسول، وزوجات الأنبياء والرسل لا يمكن أن يمسوا أبدًا بسوء إذا كن يعملن بما يرضي الله ورسوله.
جوائز ومنح
يذكر فوزي شعبان أن سور القرآن الكريم انفردت دون كتب الله الأخرى بتقديم جوائز ومنح، وهبات لا ترد إلى المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله في الحياة الدنيا، فيحصلون على المنح في الحياة الآخرة، هذه الجوائز تشكل أجمل أنواع النساء في الحياة الدنيا والآخرة، فهذه حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، وهي قاصرات الطرف كأنهن بيض مكنون، وفي صورة «ص» هناك جنات عدن، وقاصرات الطرف أتراب، وعدًا وحقًا لكل من اتقى الله.
المؤلف في سطور
فوزي شعبان كاتب وصحفي مصري له العديد من المؤلفات الفكرية والتراثية ذات الطابع السجالي والاشكالي ، ويساهم في العديد من مؤسسات المجتمع المدني ويلقي الندوات والمحاضرات ، كما له أسهامات في الصحافة المصرية والعربية.
الكتاب: ثقافة الجنس في الأديان السماوية
تأليف : فوزي شعبان
الناشر: دار الأحمدي للنشر القاهرة 2008
الصفحات: 368 صفحة
القطع: الكبير

