تحاول بدرية البشر عبر دراستها الميدانية التعرف على الآثار الناجمة عن العولمة في المجتمعات الخليجية، عبر التركيز على مدينتين خليجيتين هامتين هما دبي والرياض.
وتنطلق الدراسة من تصور محدد يستند إلى ما يعرف في الدراسات الاجتماعية بالهوة الثقافية التي تجعل المجتمعات الخليجية تقبل بسهولة ويسر المنتجات المادية للعولمة ووسائطها المختلفة لكنها تعارض في الكثير من الأحيان الجوانب الثقافية والقيمية الناجمة عن هذه المنتجات والوسائط. فمن الممكن أن يقبل الشباب الخليجي على التعليم الجامعي لكنه في الوقت نفسه يحتفظ ببنية قيمية تقليدية تجاه المرأة.كما أنه من السهل شراء أحدث أنواع السيارات وأغلاها ثمنا مع عدم احترام المرور والالتزام بقواعده، كما أنه من الممكن أيضا استخدام الإنترنت والتعامل مع أحدث تقنيات تكنولوجيا الاتصال العصرية مع عدم احترام الوقت والالتزام به.
من هنا تنتج تلك الهوة الثقافية التي تفصل بين القبول المرن وغير المحدود للجوانب المادية الأكثر عصرية والتمسك الصارم بالبني القيمية التقليدية وهو ما يؤدي إلى حدوث تلك الفجوة الهائلة بين الجانبين المادي من ناحية والثقافي القيمي من ناحية أخرى.
وترى بدرية البشر بأن المجتمعات الخليجية استخدمت آلية التوليف بين المستجدات المادية الحداثية وبين الأطر التقليدية المحلية، وهى آلية ساعدت بدرجة أو بأخرى وبنسب متفاوتة من النجاح على استدماج وسائط العولمة المختلفة ضمن هذه المجتمعات. وتحاول البشر توضيح آلية التوليف هذه والكيفية التي يتم توظيفها عبر استخدام كل من دبي والرياض كمثال لمجتمع متسامح مقابل مجتمع محافظ نحو مستجدات الحداثة والوسائط المرتبطة بها.
استندت الدراسة إلى عينة ميدانية من أساتذة الجامعة والأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والقضاة اشتملت على 375 فرد في الرياض وعلى 287 في دبي. ويعني ذلك أن عينة الدراسة ارتبطت بالفئات ذات التعليم الجامعي الأعلى دخلا في الخليج. وهدفت الدراسة إلى الوقوف عند مجموعة من التساؤلات ارتبطت بمحاولة التعرف على درجة قبول الاستخدام الحر لوسائل العولمة الثقافية والتي اشتملت على المحمول والإنترنت والقنوات الفضائية.
كما حاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين قبول هذه الوسائل المختلفة وغيرها من العوامل المتغيرة الأخرى مثل الجنس والمؤهل الدراسي والحالة الزواجية والدخل السنوي والعمر والمهنة ودرجة إتقان اللغات الأجنبية. ولم تقف الدراسة عند تلك العوامل المختلفة لكنها تعدت تلك الارتباطات لمحاولة التعرف على العلاقة بين قبول وسائل العولمة المختلفة وتأثرها سلبا أو إيجابا بمحددات المجتمع المحلي في كل من الرياض ودبي.
وجاءت نتائج الدراسة الميدانية لتكشف عن أن وسائل العولمة المختلفة قد أصبحت من القوة بمكان بحيث يجب التعامل معها بأطر جديدة ومتسامحة لا تقف موقفا أيديولوجيا رافضا بشكل مسبق لها. ورغم ذلك فإن الدراسة لا تعني الارتماء الكامل في أحضان العولمة والقبول السلبي بها، لكنها تؤكد على ضرورة إيجاد إطار جيد ومتماسك من أجل التعامل البناء مع وسائل العولمة، إطار يضمن عدم الرفض الأيديولوجي المسبق لها، وعدم القبول السلبي لها.
كشفت الدراسة عن أن درجة القبول الحر لوسائل العولمة تتفاوت من وسيلة لأخرى. وفي هذا السياق أثبتت الدراسة زيادة نسبة من يستخدمون المحمول في كل من دبي والرياض مقارنة بالإنترنت والقنوات الفضائية. وتبدو هذه النتيجة منطقية، من وجهة نظر الدراسة، في ضوء كون الحاجة إلى قبول استخدام الهاتف المحمول قد أصبحت ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها لقطاع كبير من الأفراد مقارنة بحاجتهم للتعامل مع كل من الإنترنت والقنوات الفضائية.
كما كشفت الدراسة أن درجة قبول الاستخدام الحر والفعال لوسائل العولمة ليست مجرد مسألة تقنية فقط ولكنها ترتبط أيضا بعوامل أخرى مثل الجنس والدخل السنوي والمهنة، فالذكور أكثر قبولا واستخداما لوسائل العولمة أكثر من الإناث، كما أن أصحاب الدخل المرتفع أكثر استخداما لتلك الوسائل من أصحاب الدخل المنخفض، وأخيرا فإن استخدام تلك الوسائل بين المحامين أكثر من استخدامها بين الأطباء والصيادلة.
وربما كانت أهم نتائج الدراسة تلك المرتبطة بكون درجة قبول الاستخدام الحر لوسائل العولمة تتأثر سلبا أو إيجابا بمحددات المجتمع المحلي في كل من الرياض ودبي. ففي ضوء كون مجتمع دبي أكثر انفتاحا مقارنة بمجتمع الرياض الأكثر تحفظا جاءت استجابات أفراد العينة مختلفة نحو مدي قبول وسائل العولمة.
فقد جاءت النتائج أكثر إيجابية في عينة دبي مقارنة بعينة الرياض بالنظرة نحو استخدام وسائل العولمة على أنها «مصدر دعم وترفيه وتثقيف للأسرة وليست مصدر إضعاف لسلطة الوالدين وتفكيك العائلة، وأنها تعمل على تأكيد القيم الإنسانية والإيجابية المطلوبة ولا تهدد القيم وأنماط السلوك المحلية وقيم العائلة والدين، وأنها تساعد الشباب على اكتساب أنماط سلوكية عالمية حضارية ولا تشيع معتقدات محرمة وتقاليد غير مقبولة وأنماط مرفوضة من السلوك، وأنها تعمل على تحسين صورة المرأة ودعم دورها العائلي في القرارات داخل الأسرة وتحسين صورتها داخل الأسرة والمجتمع».
ورغم الفروق الواضحة في الاستجابات السابقة والتي جاءت لصالح دبي من حيث انفتاحها وتسامحها تجاه قبول وسائل العولمة المختلفة مقارنة بالرياض، فإن الدراسة قد بينت أن درجة قبول الاستخدام الحر لوسائل العولمة حتى في المجتمع المتشدد مبدئيا مثل الرياض هي أعلى مما يظهره الإعلام أو الناظر من الخارج على حد قول الكاتبة .
ولعل ذلك يكشف أن رفض وسائل العولمة المختلفة من خلال الذرائع المختلفة سياسية أو ثقافية أو دينية لن يؤدي في النهاية إلى عدم التعامل مع هذه الوسائل، وفقا للمقولة السائدة بأن كل ممنوع مرغوب، وهو الأمر الذي يؤكد من جانب آخر على أهمية وضرورة عدم الرفض المسبق لوسائل العولمة المختلفة والتعامل الواعي والبناء معها، وبشكل خاص من قبل الدولة ومؤسساتها المختلفة.
وكما قالت البشر في ختام دراستها «فإن التحدي الحقيقي للدولة القومية لا يكمن في إقامة سد ترابي أمام فيضان العولمة الثقافي، بل يكمن في إحياء ثقافي ضروري، يكون قائما على أساس عقلاني وليس على أساس ردود الأفعال التي لا تحقق الأهداف وتدفع بالتالي المجتمعات إما إلى الانغلاق الثقافي الذي أصبح من الصعب اليوم تحقيقه في ظل العولمة، أو الذوبان غير المدروس في إطار العولمة، وكلا الموقفين لا يوصلان إلى تحقيق الهدف الثقافي.»
وسائل العولمة
أكدت الدراسة أن الذكور أكثر قبولا واستخداما لوسائل العولمة أكثر من الإناث، كما أن أصحاب الدخل المرتفع أكثر استخداما لتلك الوسائل من أصحاب الدخل المنخفض، وأخيرا فإن استخدام تلك الوسائل بين المحامين أكثر من استخدامها بين الأطباء والصيادلة.
المؤلفة في سطور
بدرية البشر كاتبة وقاصة سعودية مولودة في الرياض زوجها الفنان السعودي المشهور ناصر القصبي ولديها ولدان هما راكان ومهند. تحمل ماجستير في الآداب، وحصلت على شهادة الدكتوراة من الجامعة الأميركية في بيروت - كتبت في جريدة «اليوم» زاوية أسبوعية تحت عنوان «نصف الضجيج» من 1991 ؟ 1993.
كانت تكتب زاوية يشبه يومية بعنوان «ربما» في جريدة الرياض منذ عام 1999 ثم كتبت في جريدة الشرق الأوسط، لها عددا من الإصدارات هي : نهاية اللعبة ومساء الأربعاء مترجم للفرنسية و الحياة الاجتماعية في نجد ؟ دراسة سوسيولوجية تحليلية و طريق الجمال السبعة ورواية هند والعسكر و معارك طاش ما طاش: قراءة في ذهنية التحريم في المجتمع السعودي.
د. صالح سلمان عبدالعظيم
الكتاب : وقع العولمة في مجتمعات الخليج العربي دبي والرياض أُنموذجان
تأليف : بدرية البشر
الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2008
الصفحات: 294 صفحة
القطع: المتوسط

