تقف وحدها صامتة بين ضجيج السيارات وأبواق البواخر وبين البنايات الحديثة وإشارات المرور التي تجاورها ولا تهدأ وهي تراقب تسرب المارين إلى مسالك الطرق، وحدها منفردة في هذا المكان، قبالة ميناء راشد، الميناء الأهم في المنطقة الذي تأتيه السفن من جهات العالم الأربع محملة بالبضائع وقباطينها وبحارتها والزائرين للمدينة، وحدها بين المعمار الحديث، وكأنها تحاور ألوانه وزجاجه الذي تدفع قابليته في عكس حزم الضوء إلى حجارتها الطينية..
في دبي يوجد عدد من هذه الأبراج وهي نوعان أبراج دائرية وأخرى مربعة وقد بنيت في أوقات متقاربة، هي أبراج دفاعية؛ ففي منطقة الخليج والجزيرة العربية كان للأبراج في السابق استخدامات أخرى في فترات السلم إذ عن طريقها يتم تبليغ الناس بظهور هلال رمضان أو إعلامهم بخبر سار يخص مدينتهم، والأبراج في دبي وباقي الإمارات تعتمد نظام الأبراج ذات الطوابق،
وهي التي كانت معروفة في العمارة البيزنطية والرومانية واستعارته العمارة الفاطمية والأيوبية بعد ذلك بعد أن كان البرج، كما هو في العمارة الأموية، يعتمد نظام البرج المصمت ذي السطوح العلوية..هذا ما تقوله وثيقة دائرة التراث والآثار في دبي حول العديد من الأبراج الدائرية والمربعة الشكل، وفي اللهجة المحلية الدارجة لأهل دبي يطلق على البرج الدائري «بري» وعلى البرج ذي الشكل المربع «المربعة»..
في كثير من مناطق دبي الحديثة والقديمة لابد وان تلمح عينك واحدة منها، تتناثر هنا وهناك وكأنها ما زالت تحرس المدينة التي تزف نفسها إلى فرح الحداثة مع بداية عهد الأبراج الزجاجية وناطحات السحاب، تلتقطها عيناك وسط كل ما يحيط بها من حداثة المعمار، ومن الوهلة الأولى ستجد أن لونها طينها ورائحة رطوبتها التي يخزنها الطين تنبعث حولها، تجرك إلى الوراء كثيرا لكي تعود بذاكرتك إلى تلك الأيام الخوالي..
حينما كانت هذه الأبراج أو القلاع هي الأعلى ارتفاعا من بيوت الطين وبيوت العريش، وحينما كانت الأرض المنبسطة بالرمل الأبيض تمثل مساحات شاسعة للنظر والتمعن، فمن المعروف أن دبي كانت تتمتع بمساحات كبيرة من الرمل الأبيض الذي غسلته أمواج البحر، يلمع في هجير الشمس وكأنه حبات كرستالية متناهية الصغر،، ففي أيام الصيف الحارة وحينما تتعامد أشعة الشمس لا يمكنك إطالة النظر في الساحات الرملية الشاسعة التي تطعهما هنا وهناك أشجار النخيل والسدر والغاف، لأن انعكاس الأشعة سوف يتردد إلى عينيك بوهج لامع لا تحتمله عدسة العين..
هذه الأبراج هي التي تمكن من بداخلها ومن فوقها من مسح المحيط بالعين المجردة وذلك قبل أن يتزود حرس الأبراج بالمكبرات.. قلاع دائرية وأخرى مربعة تحرس المدينة ليل نهار، ويوظف لها من يناوب على هذه الحراسات، فالحراس هم ما كنا نسميهم (المطارزية) وهي الصفة البديلة لتسمية رجال الشرطة أو الحرس..هؤلاء يراقبون من ثقوب صغيرة كل من يمر وإذا ما اقترب غريب إلى البلدة يعترضه و ينادى عليه لكي يعرف اسمه ومقصده ووجهته، فاذا ما أنكره الحراس طلب منه أن يلقي بسلاحه إن كان يحمل سلاحا ثم ينزل إليه احد الحراس بينما يقوم زملاؤه بحمايته ليتحقق من الزائر ومطلبه.
كثير من هذه الأبراج الطينية يتكون من أكثر من طابق بداخلها، فهناك الجزء الأرضي الذي يفضي إلى طابق أول يتم الوصول إليه عبر سلم خشبي، سلم حجري دائري، ومن الطابق الأول الذي يبلغ علوه بطول قامة الرجل يؤدي سلم آخر إلى الطابق الثاني، ومنه يمكن الوصول إلى سطح البرج.. في جدران البرج من الخارج تتوزع عشرات الثقوب، النظر من خلالها من داخل البرج يوفر مراقبة بصرية في جميع الاتجاهات، كما أن هذه الثقوب حفرت بعناية لتمكن الحارس من مد فوهة سلاحه من خلال الفتحة الضيقة التي تكفي فقط لأنف البندقية وعين الرامي..الثقوب منها ما هو يسقط إسقاطا إلى أسفل لكي تسهل عملية إصابة من يحاول اقتحام البرج، ومنها من يفتح عينه على الجهات المختلفة، يمين ويسار وأسفل وأعلى..
تحرس دبي أبراجا عديدة وفي أماكن متفرقة، لكنها اليوم أصبحت مقصدا للسياح الذين يسوقهم فضولهم السياحي إلى معرفة ما بداخل هذه القلاع الطينية الصامدة والصامتة في مكانها بينما ضجيج السيارات والناس يغلف الهواء المتطاير حولها في معركة الحضور بين الماضي والآني المتمثل في الواقع..
نمر من أمام هذه الأبراج الطينية يوميا، قد نلتفت إليها في محاولة لتحيتها بصريا، وأحيانا كثيرة لا نشعر بوجودها حينما يكون إيقاع حياة المدينة الهادر قد تمكن منا واجل فينا الرغبة في التأمل. هي في مكانها لا تتحرك، ولم تتحرك منذ أن وضعت حجارة أساساتها الأولى في نهار صيفي أو شتوي، كل ما حولها تطاول وكبر وتزاحم لكنها هناك قبالة ميناء راشد تقف لتسجل وجودها وحضورها.
مقصد للسياح
تحرس دبي أبراجا عديدة وفي أماكن متفرقة، لكنها اليوم أصبحت مقصدا للسياح الذين يسوقهم فضولهم السياحي إلى معرفة ما بداخل هذه القلاع الطينية الصامدة والصامتة في مكانها بينما ضجيج السيارات والناس يغلف الهواء المتطاير حولها في معركة الحضور بين الماضي والآني المتمثل في الواقع.
مرعي الحليان
