أنثوية الدائرة ترتبط هي الأخرى بذكورية الخاتم؛ فالخاتم ذكر والدائرة أنثى وكلاهما لمعنى واحد، فالخاتم (الذكر) هو الدائرة (الأنثى) أنهما صفة وموصوف لحالة واحدة نسميها (الخطوبة) ولاحقاً نسميها (الزواج) باستبدال الخاتم من الاصبع الأيمن إلى الإصبع الأيسر؛ إلى مجرى القلب والى حالة العواطف الأولى والإلهام الإنساني متحولاً من حالة سائبة عامة في مجرى التقاليد، حيث تكون اليد اليمنى بعيدة عن القلب ولا يتصل عصبها به

للشعوب تقاليدها الأزلية في حياتها اليومية اكتسبتها بالوراثة في غالب الأحيان ؛ وهذا التوريث هو نتاج ثقافة اجتماعية تبلورت عبر وقت طويل من الممارسة اليومية حتى استقرت على حالٍ من الأحوال. وسنجد الكثير من هذه التقاليد تتشابه هنا وهناك بسبب شيوع أنظمة الاتصال الاجتماعية الشفاهية وثقافة الأسطورة المحلية وتناقُلها عبر الزمن بين الشعوب والأمم.

للزواج تقاليده بين الشعوب وللخطوبة تقاليدها ولمراسيم الموت تقاليده هو الآخر. وكل تقليد له أسطورته وحكايته الشفاهية وفلسفته الاجتماعية، ولو أردنا متابعة تاريخية خاتم الخطوبة وشيوعه بين الشعوب فسنجده تقليداً قديماً يرمز الى ارتباط الزوجين برباط أبدي وهو من علامات الحب والحياة السعيدة بتصور الأغلبية من البشر!

الخاتم في الحضارات

ثمة في الأساطير الشعبية إن النساء تضع خاتم الزواج قبل الرجال خاتم منذ القدم، فالمرأة كانت تضع خاتما حديديا في إصبعها للاعتقاد بأن شكل الخاتم الدائري يعني الكمال لأن الدائره رمز الكمال، والمتزوج او المتزوجة مكتمل الحياة، ومن جانب آخر، كانت هذه العادة رمزا متغيرا لما كان يعرف لدى القبائل القديمة بان المرأة ملك للرجل ولذلك كان يضع الرجل قيدا من الحديد في يدها أو رجلها دليلا على أن هذه المرأة ملك له وليست سائبة لان الزواج لدى القبائل البدائية كان يقوم على أساس اختطاف المرأة من جماعة أخرى!

ليس هناك تاريخ محدد يمكن الوثوق به لبداية استعمال خاتم الخطوبة رمزاً للزواج، لكن يقال أن الرومان هم أول من استعمل الخاتم وكان من تقاليدهم أن يقدم الشاب إلى خطيبته خاتما من حديد يضعه على سن السيف فتتناوله الخطيبة، لكن هذه العادة تطورت بمرور الوقت فاستُبدل خاتم الحديد بقطعة من الذهب أو الفضة ويحتفظ كل منهما بقطعه منها؛

ثم عاد الخاتم ليظهر من جديد ولكن أصبح من الذهب بدلا من الحديد ويوضع في اصبع البنصر الايمن وذلك في فتره الخطوبة وفى وقت الزواج يوضع في بنصر اليد اليسرى وهذه العادة ترجع إلى أسطورة قديمة إذ كان يعتقد أن هناك عصبا يمتد من اليد اليسرى إلى القلب ولذلك فوجود الخاتم في هذا البنصر متصلا بالقلب الخفاق مصدر العواطف والحياة.أما الحضارة الصينية فتقف على بعض التفسيرات بهذا الخصوص، فالابهام يمثل الوالدين والسبابة يمثل الأخوة والأخوات والاصبع الوسط يمثل الشخص نفسه والخنصر يمثل الأطفال أما البنصر فهو يمثل شريك الحياة.

تأنيث الدائرة

للفراعنة والرومان والكثير من الشعوب القديمة فلسفتها في اختيار خاتم الخطوبة الدائري، ولا نظن أن هذا الاختيار جاء عفوياً، فللدائرة رمزها من أوجهٍ عدة، فهي «مؤنث» ترتبط بالمرأة أكثر مما ترتبط بالرجل وفي طقوس الخطوبة قديماً وحديثاً فإن الرجل هو الذي يُلبس المرأة خاتمها أولاً، فعلاقة الخاتم بالمرأة أكثر منه علاقة بالرجل، وهذا يفسر ارتباط المرأة بالخاتم مدى حياتها ومن النادر تجد امرأة متزوجة وقد خلعت الخاتم من يدها!

أنثوية الدائرة ترتبط هي الأخرى بذكورية الخاتم ؛ فالخاتم ذكر والدائرة أنثى وكلاهما لمعنى واحد، فالخاتم (الذكر) هو الدائرة (الأنثى) أنهما صفة وموصوف لحالة واحدة نسميها (الخطوبة) ولاحقاً نسميها (الزواج) باستبدال الخاتم من الاصبع الأيمن إلى الإصبع الأيسر؛ إلى مجرى القلب والى حالة العواطف الأولى والإلهام الإنساني متحولاً من حالة سائبة عامة في مجرى التقاليد، حيث تكون اليد اليمنى بعيدة عن القلب ولا يتصل عصبها به، أي أن حالة الخطوبة انتقلت من خصوصيتها الذاتية باتصالها بعصب الحب كما تؤمن الشعوب منتقلة من عموميتها دون أن تتصل بأي عصب يقود إلى مجرى العواطف التي وثّقها خاتم الخطوبة في البنصر الأيمن.

الذكر والأنثى في التحام دائري مغلق، الخاتم والدائرة، هذا الانغلاق، بحسب أساطير الشعوب القديمة هو تجسيم رمزي جمالي لامرأة ورجل جمعتهما علاقة عاطفية تكثّفت بقطعة دائرية صغيرة كانت من الحديد أولاً ثم من الفضة والذهب لترسيخ قيمة معنوية مضافة بين الاثنين، فالذهب سيد الزينة النسائية ومعدن الملوك وقيمته المادية لا تساوي القيمة العاطفية والإنسانية مهما غلا ثمنه وعلا شأنه، وحتى بتطور الحياة واكتشاف معادن ثمينة أخرى كالألماس وغيره، فإن الشعوب الأولى لم تكن تتوقع أن يكون ثمة معدن ثمين يعادل قيمة العاطفة الإنسانية بتجلياتها المختلفة.

ولهذا فهذه الدائرة المغلقة الممتدة من عصب القلب إلى محيط الخاتم هي دائرة كهربائية كبيرة المعاني والدلالات الاجتماعية والإنسانية، وبالتالي فإن قيمة خاتم الخطوبة والزواج هو قيمة موضوعية استثنائية أملتها البشرية على بعضها من مراحلها الشفاهية حتى مراحلها الكتابية الأولى، أما بعد ذلك فيبدو أن الحياة استدرجت البشرية إلى مضان ثانية ليس من العسير تفسيرها والوقوف في محطاتها المادية المعروفة.

للدائرة انغلاق. لها نقطة مجهولة تبدأ منها وتنتهي بها فتلتحم على فراغ طويل يتسع أو يضيق حسب قطر الدائرة. ليس الأمر هنا هندسياً بل هو رمزي في الأغلب الأعم، فالدائري في الحياة هو الابتداء المعلوم إلى اللاانتهاء المجهول. الانغلاق هنا حركي وليس قارّاً، فالأرض دائرية والكون يمشي إلى ما لانهاية، وفي قطر الدائرة الغامض تتحرك الحياة على قوانين صارمة ؛ فيزيائية وهندسية ورياضية بالمجمل العام ؛ وليس هناك دليل على تشبيه خاتم الخطوبة أو الزواج بدائرة الأرض الشاسعة.

لكن من ناحية استعارية تتشبه الدائرة الجامدة والمصنّعة بدائريتها المحكمة وفيزيائها الاجتماعية، فكل شيء دائري مغلق بالنتيجة على نفسه من نقطة ابتدائه إلى نقطة انتهائه وحركيته من حركية الفراغ الذي يحيط بقطره بوصفه تاماً وكاملاً، فالدائرة تعني الكمال التام، وفي خاتم الخطوبة والزواج هناك دائرة محكمة الإغلاق وهي دائرة كاملة طرفاها الرجل والمرأة يبدآن من نقطة ابتداء معلومة وينغلقان على كمال الحياة في مشوارها الطويل الذي لا تُعرف نهايته حتماً.

تقاليد اجتماعية

من جانب آخر فلو نظرنا إلى تقاليد بعض الشعوب في الخطوبة والزواج لوجدنا الكثير من الطقوس الغريبة والمثيرة وربما الظريفة في استحضار قيمة الخطوبة والزواج بدلالاتها النفسية والاجتماعية، ففي مدينة بوندا يورجاس الهندية تختبر العروس عريسها بوضعه في امتحان قاس وصعب حين تصحبه إلى الغابة وتشعل النار وتكوي ظهره العاري، فإذا تأوه أو تألم من الكي ترفضه ولا تقبله عريساً ثم تفضحه أمام بنات القبيلة، وإذا كان العكس تعده الحبيب المفضل والجدير بالحب والزواج.

وفي التبت عندما يختار الزوج زوجته يقوم بعض أقارب العروس بوضعها أعلى شجرة ويقيمون جميعاً تحت الشجرة مسلحين بالعصي، فإذا رغب أحد الأشخاص في اختيار هذه الفتاة عليه أن يحاول الوصول إليها والأهل يحاولون أن يمنعونه بضربه بالعصي فلو صعد الشجرة وأمسك يديها عليه أن يحملها ويفر بها وهم يضربونه حتى يغادر المكان ويكون بذلك قد ظفر بالفتاة وحاز على ثقة أهلها.

وفي أندونيسيا يحظر على العروس في إندونيسيا أن تطأ بأرجلها الأرض يوم زفافها خاصة عندما تنتقل من بيت أهلها إلى بيت زوجها لذا يُجبر والدها على حملها من بيته إلى بيت عريسها على كتفيه مهما طال الطريق.أما في الملايو فمن عادة الزواج أن الرجل إذا أحب فتاة فإنه يأتي ويمكث وينام في بيتها بعد موافقتها مدة عامين دون أن يمسها فإذا راقت له خلال هذه الفترة التجريبية عندها توافق عليه وتتزوجه،أما إذا كان مخلاً بالأدب فإنها تطرده على الفور. وفي قبيلة جوبيس الأفريقية تُجبر العروس على ثقب لسانها ليلة الزفاف حتى لا تكون ثرثارة ويمل منها زوجها.

كل هذا «التعجيز» له ما يبرره في حياة الشعوب، وله جذره التاريخي والاجتماعي والنفسي، وبشكل ما فهو يعبّر عن ثقافتها ووعيها الابتدائي في شان أساسي من شؤون الحياة اليومية لديها، ويجري كل هذا قبل خاتم الخطوبة وقبل أن تجري الحياة في دائرة الكمال المغلقة.

بين الكف والقلب

إن إنسان ما قبل التاريخ يربط كلاً من أقدام وأيدي المرأة كي لا تهرب فإن اطمأن العريس لها يتم حل حبال أقدامها وأيديها ويربط أحد أصابعها بحبل، وهذا أقدم ما وصلنا من ذلك التاريخ البعيد، لكن إنسان ما بعد التاريخ عرف الخاتم الدائري برمزيته العالية بوضعه الخاتم بالبنصر الأيسر لاعتقاد القدماء أن هذا الاصبع يرتبط بأقصر عِرق يمتد من الكف إلى القلب.

ديانا وخاتم الخطوبة الثمين

بعد مرور عشر سنوات على مصرع الأميرة ديانا برفقة حبيبها دودي الفايد، نجل رجل الأعمال المصري محمد الفايد لم تغب قصتها في حياتها ومماتها عن الإعلام ويبدو أن الفايد استطاع إثبات ما كان يزعم به منذ أن لاقى ابنه الأكبر دودي حتفه مع حبيبته في النفق المشؤوم في باريس، بعد أن تم نشر صورة لفاتورة صادرة عن محلات «ريبوسي» للمجوهرات في فرنسا تثبت مزاعم الفايد بأنه كان على علم بأن ابنه كان يخطط لطلب يد الأميرة ليلة الحادثة الأليمة.

ويتبين من خلال هذا الوصل بأن دودي زار بالفعل محلات «روبوسي» واشترى لديانا خاتم خطوبة من تشكيل الخاصة بالخطوبة من تصميم البيرتو روبوسي نفسه ودفع ثمنه 600,11 جنيه استرليني (حوالي 24 ألف دولار)

الخاتم في التاريخ

أول من استعمل الخاتم قدماء المصريين من الفراعنة، واختار الفراعنة الخاتم الدائري لأن الدائرة تعني لديهم الأبدية والخلود؛ وإذا نظرنا إلى تاريخ خاتم الخطوبة بين الأمم والشعوب سنجده يتشابة إلى حد ما بين هذا الشعب أو ذاك على مر الزمن قبل أن يستقر بصيغته الحالية، أما الأوربيون فقد استعملوه بعد سنة 900 ميلادية ومنهم أُخذ إلى غيرهم من الشعوب، لكن ثمة من يقول أن قدماء اليونان كانوا يعتقدون بان هناك عرقا عصبيا خاصا يمر من هذا المكان إلى القلب مباشرة، ولذلك كان دليلا على اسر القلب او امتلاكه من قبل شخص آخرفكان الخاتم رمز هذه العاطفة.

اكتمال الدائرة

إن الرومان وقبلهم الفراعنة القدماء آمنوا بكمال الدائرة وتمامها، فاستبصروا لعلاقة الرجل بالمرأة حكمة الخاتم الدائري في البنصر للأبدية والخلود، انسجاماً مع أفكارهم الحياتية بأن الخلود تجلبه الحياة الزوجية السعيدة، لذلك بدا الخاتم الدائري تعبيراً رمزياً عن هذا وإيحاء جمالياً بمكنون الخلود المتجسد بين البنصر والحلقة الدائرية كامتداد بين عصب القلب الخفاق بالعواطف وبين الحياة الواسعة بتجلياتها المختلفة متمثلة بطرفي لقاء هما الرجل والمرأة عبر خاتم الخطوبة والزواج.

وارد بدر السالم