منذ حققت دونا تارت انتشاراً مدوياً بروايتها ذائعة الصيت «التاريخ السري»، مضى الناشرون والقراء في البحث عن الرواية التالية التي تحرز النجاح المدوي نفسه بالصيغة السحرية ذاتها.

وتضم هذه الصيغة السحرية للنجاح مكونات كلاسيكية في مقدمتها بطل مغترب مفعم بالقلق والطموح، مجموعة متألقة يتطلع البطل أو البطلة إلى اختراقها أو الاندماج فيها، مشهد غامض ومؤثر غالباً ما يرتبط بالثقافة الرفيعة، وعنصر ربط ثقافي أو أيديولوجي. مثل دراسة الإغريق في حالة دواية دونا تارت. وما عليك إلا أن تضيف الموت والجنون وتقلب المحتويات. وقد نجحت هذه الصيغة في أكثر من حالة، على نحو ما نرى في رواية «الدار عند منتصف الليل» من تأليف لوسي واينهاوس ورواية «المتسلقون ليلاً» من تأليف ايفو سوتون، حيث تدور أحداث الأولى في دارة فخمة، وتجري وقائع الثانية في كليات جامعة كامبردج. وتكمن المخاطرة في محاولات تقليد رواية دونا تارت في أن الروايات القائمة على التقليد مهما كانت ممتعة فإنها تظل بعيدة عن الوصول إلى شموخ الأصل الذي قدمته تارت.

ومن الروايات التي اقتربت كثيراً من نجاح رواية تارت رواية «القصيدة الأولى» من تأليف باري ماكريا، حيث البطل شاب يدرس في ترينتي كوليج في دبلن، والمجموعة التي يرغب في افتراقها هي ناد أدبي شهير. وأحدث المحاولات على هذا الدرب هي رواية توبايس هيل الصادرة مؤخراً بعنوان «المحتجبون» التي يمكن القول إنها اقتربت أكثر من غيرها من شموخ رواية تارت.

البطل في «المحتجبون» هو بن ميرسر الباحث في الآثار الذي يواكبه سوء الطالع، فنجده بعد انهيار زواجه ووصوله إلى مرحلة الطلاق وقد لاذ بالهرب إلى أثينا، حيث يعمل في أحد المطاعم وذات ليلة يلتقي مع بروفسور إبرهارد، الذي كان شديد الإعجاب به في جامعة أكسفورد، والذي ينطلق مع مجموعة من الباحثين عن الآثار من مختلف الجنسيات إلى لاكونيا، أرض اسبارطة التاريخية. وعلى الرغم من أن إبرهارد يترك بن من دون تحية وداع، إلا أن بن يلحق بالمجموعة إلى موضع التنقيب، حيث تتوالى أحداث الرواية.

أول ما نلاحظه في هذا الصدد أن توبايس هيل يمضي ببراعة على خطى تارت في الجزء الأول من الرواية، حيث نتابع تفاصيل عمله في المطعم اليوناني، ومن ثم نتعقبه وهو ينطلق إثر المجموعة حيث نراه يعمل في التنقيب عن الآثار، وتطور علاقته بإحدى فتيات المجموعة إلى علاقة حب مفعمة بالمشاعر الساخنة.

ونلاحظ أيضاً أن الفلسفة التي قامت عليها حياة الاسبارطيين تمنح نفسها على نحو مميز للنموذج الذي أبدعته تارت وتبناه هيل. ونتوقف طويلاً عن الكيفية التي كان بمقدور عدد محدود للغاية من مواطن اسبارطه أن يسيطروا على جيرانهم المفزوعين بحسبانهم عبيداً أقناناً. وندرك كيف أن من المحتم على أي مجموعة تتبنى هذه الفلسفة أن تصل إلى طريق الفاشية المسدود.

وعلى الرغم من تعدد الإشادات التي توجت بها هذه الرواية من قبل النقاد والقراء في العديد من دول العالم الناطق بالانجليزية، إلا أننا لا نملك إلا أن نرصد عدداً من العيوب التي تقف على الجانب النقيض من مزاياها العديدة.

العيب الأول في هذه الرواية يبدو بالغ الوضوح، بحيث أن العين لا يمكن أن تخطئه، فالجزء المبكر منها يمكن استبعاده كلية، بل وقد لا يكون من المبالغة القول إنه كان ينبغي أن يستبعد في غمار عملية الاعداد والتحرير التي تقوم بها دور النشر، والتي اشتهرت دار فيبرأند فيبر، التي نشرت هذه الرواية، بإتقانها.

هذا القسم من الرواية يعالج مرحلة إقامة بن في إحدى ضواحي أثينا وخروجه من تأثيرات طلاقه، وهو يبدو لأول وهلة بمثابة مقدمة ضرورية، على الرغم من أنها مرتبكة، لاقتراب القارئ من الشخصية الرئيسية في الرواية.

وعلى الرغم من أن جانباً كبيراً من هذا القسم يتسم بالجمال، إلا أن يمكن الاستغناء عنه في الجانب الأعظم منه، فالأحداث لا تتوالى في الرواية بصورة حقيقة إلا مع انتقال بن إلى اسبارطة. والعيب الثاني في الرواية سبق أن المحنا إليه بالفعل، فعلى الرغم من أهمية الفصول المتعلقة بأطروحة بن، إلا أن جانباً منها يبدو بالفعل ناتئاً، مرتبكاً، وفي غير موضعه بالمرة.

وعلى الرغم من تشديد الروائي ـــ الشاعر على حرصه على الخروج عما هو تقليد ومألوف في الإبداع الروائي وتقاليد، إلا أن روايته الرابعة تظل مندرجة في إطار الضوابط والقيود التقليدية بامتياز، وربما لا يتم الخروج عن هذه الضوابط والقيود إلا في جوانب محدودة، من قبيل توصيفات المكان، وخاصة الغرف، الشوارع، السماء، والمشاهد الطبيعية.

ومع أنه يمكن المضي في إدراج العديد من العيوب والهنات المنتمية إلى هذه النوعية، إلا أنه لابد لنا من أن نضيف إلى ذلك ــ على الفور تقريباً ـــ إننا نظل هنا أمام رواية ذات حبكة مشوقة يطيب للقارئ أن يتابع منعطفاتها المتقنة.

لابد من القول أيضاً إن تقليب الرواية في تفاصيل الحاضر من خلال الماضي لا يمكن إلا أن يثير الإعجاب من خلال تنفيذه بشكل ذكي ولماح وبارع حقاً. وتبقى أيضاً المقدرة الكبيرة التي تم بها تنفيذ المقاطع المعبرة عن المفاهيم من دون أن تتحول إلى محاضرات أو مراكمة ثقيلة الوقع لنتائج البحث الطويل في التاريخ الذي من المحقق أن المؤلف قام بإنجازه.

ويبقى أخيراً القول إن توبايس هيل الشاعر كان حاضراً بقوة في هذه الرواية، فمنح لغتها الكثير من توهج الشعر وألقه ودفئه، من دون أن يتضمن ذلك جوراً على الأداء الروائي أو إلقاء بالظلال على الشخصيات والأحداث.

ونظل على امتداد رواية «المحتجبون» مع عمل يستحق الاهتمام حقاً، بل يدفعنا إلى أن نتطلع ـــ من الآن ـــ إلى قراءة رواية توبايس هيل الخامسة التي يعكف على انجازها، والتي نأمل أن تكون متمتعة ببهاء روايته الرابعة المثيرة للحماس والإعجاب.

الكتاب: المحتجبون

تأليف: توبايس هيل

الناشر: فيبر أند فيبر، لندن، 2009

الصفحات: 354 صفحة

القطع: المتوسط

The Hidden

Tobias Hill

Faber and Faber، Landon، 2009

p.354