«كتّاب الروايات التاريخية غير مطالبين بالتزامات المؤرخين، في البحث عن إثبات لما يتناولونه. بالنسبة لنا يكفينا أن ما نذكره لا يمكن دحضه ببرهان أو إثبات زيفه. نشعر بالراحة في أرض الجهل والشك والجدال التي لا يملكها أي كان»، رأي أفاد به الروائي البريطاني باري أنسورث، خلال مقابلة أجريت معه في العام الماضي.
كتب أنسورث الذي ولد في أغسطس عام 1930 في بلدة دورهام شمال انجلترا، حتى الآن 16 رواية تاريخية معظمها مستمد من التاريخ. كما ورشحت رواياته الثلاث التالية لكل من جائزة الشرف (بريتين بريميير للأدب) وجائزة (بوكر): «جزيرة باسكالي» ونشرت عام 1980 و«مسرحية أخلاقية» عام 1995 و«الجوع المقدس» التي فازت بجائزة بوكر عام 1993.
ومن مجتمع بلدته حيث يعمل الجميع في المناجم، خرج إلى الحياة ودرس الانجليزية في جامعة مانشتسر، ثم عاش لمدة عام في فرنسا. وفي عام 1960 سافر إلى اليونان وتركيا ودرّس في جامعات كل من البلدين، إلى جانب كونه أستاذا زائرا في جامعة بلدته وجامعات أخرى في بريطانيا والسويد، وهو عضو في جمعية الأدب الملكية.
وعلى صعيد الكتابة أصدر أنسورث الذي يعيش في ضاحية منعزلة في إيطاليا منذ سبعة أعوام، روايته الأولى «الشراكة فى عام 1966، وتبعها برواية (لدى اليونانيون اسم لها) عام 1967، ثم نشر روايته «الاختباء» عام 1970، كما فازت روايته التالية «هدية مونكراكر» بجائزة هاينمان عام 1973.
يتناول أنسورث في روايته «مسرحية أخلاقية» التي حولت إلى فيلم سينمائي عام 2004، صراع الإنسان بين الخير والشر، ومحاولة التمييز بينهما إلى جانب معاناة الشعب من قبل عدة أفراد يملكون السلطة والنفوذ ويطبقون العدالة وفق مصالحهم الخاصة، وكذلك الهوة الواسعة التي تفصل بين هؤلاء الذين يعيشون في عالمهم الخاص ومعاناة وهموم الشعب المسخر لخدمتهم ورفاهيتهم، إلى جانب الكوارث الطبيعية.
استمدت تلك الرواية نجاحها من خلال الأحداث المشوقة التي لا يمكن للقاريء التنبؤ بها وللغموض الذي لا يكشف عنه إلا في الصفحات الأخيرة، وكذلك لبراعة الكاتب في صياغة الحبكة وتسلسل الأحداث ورصد الشخصيات التي تأخذ مسارها وتبلور مواقفها من خلال الأحداث التي تواجهها.
تدور أحداث الرواية المستمدة من التاريخ في القرن الرابع عشر في بريطانيا، والراوي نيكولاس هو الشخصية الرئيسية التي تروي الأحداث في الفصول الأولى. والتي تبدأ بتقديم نفسه والصراع الداخلي الذي يعيشه، فهو قس سابق هرب من الدير ثلاث مرات، وارتكب الخطيئة مع امرأة متزوجة راودته على نفسها مقابل تقديم الطعام له، ليستمر هربه بعدما فاجأهما الزوج.
يروي نيكولاس ماضيه خلال تشرده في الغابات إلى أن يلتقي بمجموعة ممثلين جوالين، لينضم إليهم ويحل بديلاً لأحد الممثلين الذي توفي على الطريق. ويتجلى من خلال مرافقته لهم عدة مفارقات إنسانية ابتداء من ولائهم وإخلاصهم للمتوفى بريندان وانتهاء بحيرة نيكولاس في المسار الذي تحول له وقناعته المبدئية أن التمثيل عمل أقرب إلى الخطيئة.
تصل الفرقة إلى إحدى المدن الصغيرة، ويقرروا دفن صديقهم فيها بصورة لائقة قبل متابعة رحلتهم إلى مدينة دورهام حيث عليهم تأدية بعض العروض لأحد النبلاء. تخفي المجموعة عن السكان أمر الجثة التي معهم خوفا من تحسب أهلها من وباء الطاعون المنتشر.
تقرر الفرقة تقديم إحدى مسرحياتها لتغطية نفقات إقامتهم ودفن صديقهم وما يحتاجونه لمتابعة رحلتهم. وخلال جولتهم في المدينة يسمعون بالجريمة التي ارتكبت قبل بضعة أيام، حيث قتل صبي في الثانية عشرة في ظروف غامضة، حيث سيتم إعدام فتاة شابة اتهمت بقتلها له وسرقة المال منه.
وفي النهاية تنجح الفرقة في تحصيل مبلغ جيد من المال. يصر مارتن على متابعة الحوار مع الناس، ويصلوا إلى مجموعة من الأدلة التي تدين اللورد وتكشف تآمر الكاهن معه، كما يتيقن مارتن من براءة الفتاة بعد لقاء سري معها في السجن.
وفي العرض الثاني يكشف مارتن ما توصلوا إليه ويطرح الممثلون شكوكهم في الأدلة والوقائع وبراءة الفتاة، ولغز اختفاء أربعة صبية قبل الجريمة الأخيرة. يطلب قاضي الملك الذي قدم إلى البلدة للتحقيق في تلك الجريمة مقابلة نيكولاس، ويذهبون برفقة الحرس إلى المقبرة، وبالكشف على جثة الصبي يتبين إصابته بالطاعون إلى جانب آثار دماء وضرب. ويتأكد القاضي أن ابن اللورد هو المسؤول عن تلك الجرائم التي يتكتم عليها اللورد وأتباعه، ويتجلى الدليل بإصابة الابن بالطاعون. وهكذا تتحقق البراءة للفتاة ويصل نيكولاس إلى السلام مع نفسه حيث يختار دوره الحالي لمتابعة مساره في خدمة الفضيلة والأخلاق.
الكتاب: مسرحية أخلاقية
تأليف: باري أنسورث
الناشر: دبليو دبليو نورتون أند كومباني 1996
الصفحات: 206
رشا المالح
