«الاستراتيجيات العبثية» هو كتاب للباحثة مايا بوفاليه تتحدث فيه عن «رغبة عمل الأفضل» بينما ما ينجم عن ذلك هو «الأسوأ».
وإن «من يحب لا يحسب» و«كيف يقتل المال المتعة» و«معضلة مهنة نقل أجهزة البيانو» و«كيف يتم تشجيع الغشاشين» و«لا تؤجل أبدا إلى الغد ما تستطيع إنجازه بعد ستة أشهر» و«كيف يمكن تشجيع عدم المساواة» و«عندما يفقد المرء معرفة ما يبحث عنه» و«سياسة الأرقام»، الخ. كل فصل من هذه الفصول يدرس حالة معينة من منظور استراتيجية الحوافز تبعا لـ «درجة الكمال» والمكافأة المالية المترتبة على ذلك.
هذه العناوين تجد لها الباحثة تفسيراتها في سرد العديد من الأمثلة من الحياة التي تبيّن أنه في أحيان كثيرة يكون الهدف المطلوب تحقيقه هو «أفضل» لكن ما يتحقق على أرض الواقع يكون «أسوأ». فمثلا عندما يقوم أحد النوادي الرياضية بفرض عقوبة على أحد لاعبيه على أساس أنه يمرر الكرة غالبا إلى الفريق الخصم «فتكون النتيجة هي أنه يتوقف عن تمرير الكرة إلى أي كان.
ومثال آخر عن رب عمل يقرر أن تكون هناك منافسة مستمرة بين العاملين لديه من أجل رفع الإنتاج فتكون النتيجة أن بعض هؤلاء يلجؤون إلى تخريب الأعمال التي يقوم بها زملاؤهم. ومثل ثالث يقوم فيه مستشفى ما على قاعدة ملاحظة زيادة عدد الوفيات بين مرضى القلب أثناء العمل الجراحي بتحديد سقف أقصى لهذه الوفيات بالنسبة لكلّ جرّاح. هكذا عندما يقترب أحد هؤلاء الجرّاحين من السقف «المسموح به» يرفض إجراء أية عملية.
في هذه الأمثلة والعديد غيرها تجد مؤلفة الكتاب «الاستراتيجيات العبثية» أن القاسم المشترك بينها كلها هو واحد تقريبا ويتمثل في «الإيديولوجيات الجديدة لطريقة الإدارة» والبحث المستمر عن الإتقان في ذهنية المنافسة وفي آليات الحث عن العمل وفي العقوبات. وإذا كانت المؤلفة تسرد الكثير من «الحماقات» التي يرتكبها المسؤولون عن تسيير الأعمال في شتى المجالات فإنها تقدم بنفس الوقت التحليلات الأكثر جديّة عن طرق التسيير الإداري في البلدان الصناعية المتقدمة.
وتطرح المؤلفة السؤال التالي: هل ينبغي أن يكون الاقتراب من الكمال خاضعا دائما لمقاييس يتم السعي للوصول إليها مقابل حوافز مادية معيّنة؟ مثل هذا السؤال يتضمّن عمليا مقولة مفادها أن النشاط الإنساني لا يجد بواعثه سوى في زيادة الكسب المادي، أو ربما في الخوف من العقوبة ذات الضرر المادي هي الأخرى. وهذا في الواقع هو الموضوع الذي تعالجه مؤلفة كتاب «الاستراتيجيات العبثية» في 12 حالة يتم فيها إدارة النشاطات الإنسانية بمختلف الميادين تتراوح بين الصناعة والنوادي الرياضية.
وتشير المؤلفة إلى تعاظم ظاهرة لجوء الشركات والمؤسسات في البلدان الصناعية إلى توزيع مكافآت على «درجة الكمال» في العمل والإنتاج على العاملين. ذلك في إطار ما يشبه عقد اجتماعي جديد يتناظر على أساسه كل عمل مع فائدة فردية محددة بدقّة وما يُطلب منه أن يكون أداة بسيطة وفعّالة بنفس الوقت. وتقول إحدى الإحصائيات الواردة في هذا الإطار أن نسبة الشركات التي تمارس دفع مكافآت للعاملين فيها حسب «درجة الكمال» التي يحققونها بالعمل قد ازدادت في الولايات المتحدة الأميركية من 26 بالمئة إلى 53 بالمئة بين عام 1987 وعام 1999.
إن مايا بوفاليه تؤكد على «فعالية» مثل هذه الإجراءات وعلى أن المعنيين بها «يغيّرون» سلوكهم دائما عند اتخاذها. لكن المشكلة هي أنهم لا يغيّرونه دائما بالاتجاه الذي يتم تصوّره عند اتخاذها.
بتعبير آخر يمكن للأفراد الذين يدركون سريعا مصلحتهم قد يفضّلون أحيانا تخريب عمل زملائهم بدلا من تحسين العمل الذي يقومون هم فيه. باختصار تشجع مثل تلك الأجواء على تراجع «التعاون الصحي» المطلوب في أية مؤسسة من المؤسسات كي تتقدم. لا تدين مايا بوفاليه استراتيجيات المكافآت، أو «العقوبات»، على «درجة كمال العمل»، ولكنها تشرح محدوديتها. وتبيّن بالتالي المخاطر التي تتضمنها بعض السلوكيات في الإدارة وتؤكد على ضرورة تجنبها في بعض القطاعات.
الأمثلة كثيرة ومن بينها القول أن استخدام «الحوافز المالية» في القطاعات القائمة على مفهوم «التطوّع» يؤدي إلى فقدان الحوافز «الكامنة» وراء ممارسة هذا العمل أو ذاك وما يمنحه ذلك من «متعة» و«دوافع ذاتية» و«رغبة ممارسة سلوك حضاري». تقول المؤلفة: «إن دخول قليل من المصلحة في آلية منظومة قائمة على غياب أية مصلحة يكون كافيا من أجل تخريب المنظومة كلها».
وتذكّر مايا بوفاليه في النهاية بأن حوافز العمل «معقّدة» بمقدار تعقّد النفس الإنسانية. وتخلص إلى القول: إن مؤشرات درجة الكمال المطلوبة في كل إدارة تنبغي إعادة النظر فيها واستراتيجيات الحوافز ينبغي أن تتكيّف مع كل حالة على حدة.
الكتاب: الإستراتيجيات العبثية
تأليف: مايا بوفاليه
الناشر: سويل- باريس 2009
الصفحات: 149 صفحة
القطع: المتوسط
Les stratégies absurdes
Maya Beauvallet
Seuil - Paris 2009
149 P.
