«بعد الثورة» كتاب عن التشيلي ما بعد سلفادور الليندي، وما بعد «الحمى الثورية» التي عرفتها تلك البلاد في سياق حركة عالمية ذات تطلعات يسارية في فترة ما بعد أحداث مايو-ايار عام 1968 المعروفة باسم «ثورة الطلبة» في فرنسا والتي وصلت آثارها إلى العالم أجمع.

مؤلفا هذا الكتاب «ارنستو اوتون» و«سيرجيو مونزو» كانا عضوين في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية في التشيلي، عندما أطاح العسكريون بقيادة الجنرال اوغستو بينوشيه ومساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بنظام الرئيس سلفادور الليندي يوم 11 سبتمبر من عام 1973 بعد أن استمر في الحكم قرابة ثلاث سنوات كرئيس للجمهورية منذ عام 1970.المؤلفان ارنستو اوتون وسيرجيو مونزو هما إذن شاهدان مباشران على تلك الفترة التي كان مفهوم الثورة له «سحره في العالم» على حد قولهما، وكانت التشيلي تحظى آنذاك باهتمام وتعاطف عالميين، خاصة في أوروبا على أساس أن وصول الليندي إلى الحكم كان بمثابة الإعلان عن نهاية فترة من الدكتاتورية العسكرية استمرت 17 عاما.

وعندما قام بينوشيه بانقلابه العسكري على سلفادور الليندي ثارت في العالم موجة تضامن وتعاطف مع اليسار التشيلي في أوروبا والعالم. ذلك أن الانقلاب بدأ بمثابة وضع حد نهائي لأحلام التشيليين في عالم أفضل. من هنا كانت الملاحقة القضائية لبينوشيه في لندن في عام 1998 موضع تأييد كبير لدى الرأي العام العالمي باعتبار أن العدالة الدولية قد حققت فوزا كبيرا ضد المفهوم السائد حول «نجاة الطغاة من كل عقاب».

تلك الفترة الثورية من حياة التشيلي تجد مكانها في تحليلات هذا الكتاب، لكن الاهتمام الأكبر هو حول فترة «ما بعد الثورة»، كما يدل له عنوانه. ويلقي المؤلفان نظرة نقدية على حقبة تحالف قوى اليسار التشيلي في «الوحدة الشعبية» التي أوصلت الليندي إلى السلطة. ولا يترددان في وصف الأطروحات الثورية آنذاك أنها تعبّر عن «إيديولوجية عفا عليها الزمن». ويضيفان: «إننا لا نخشى الاعتراف أننا كنا مخدوعين».

بالمقابل تلقى فترة الحكم التي تعيشها التشيلي منذ عام 1990، أي بعد عودة الديمقراطية إلى البلاد وتبنّي مبدأ التداول على السلطة اعتمادا على ما تقرره صناديق الاقتراع باهتمام خاص في الكتاب.

ويرى المؤلفان أن وصول ريكاردو لاغوس إلى رئاسة الجمهورية ممثلا لتحالف «وسط اليسار» في التشيلي لم يغيّر كثيرا من معطيات الواقع الشيلي. وريكاردو لاغوس هو الرجل الذي وجّه أصابع الاتهام على شاشة التلفزيون لبينوشيه عندما كان في أوج سلطته الدكتاتورية.

وإذا كان ريكاردو لاغوس الرئيس الاشتراكي الأول في التشيلي بعد سلفادور الليندي لم يترك الكثير من البصمات في تغيير جوهري لمسيرة البلاد، ولم يلق الكثير من الاهتمام لدى الرأي العام العالمي، فإن وصول السيدة «ميشيل باشليه» بعده إلى الرئاسة ممثلة لقوى اليسار الاشتراكي أيضا، لقي ترحيبا عالميا كبيرا لم يكن بعيدا عنه واقع أنها «امرأة»، كما يؤكد المؤلفان.

ومن المسائل الأساسية التي يتم التأكيد عليها في الكتاب لفهم الآليات التي أدت إلى فشل تجربة حكم الرئيس سلفادور الليندي في التشيلي هناك ذلك «الغموض» الذي ساد في الخط الذي انتهجه الحزب الاشتراكي التشيلي والرئيس الليندي نفسه. وبالتحديد الغموض بين المسيرة الإصلاحية «المطبقة» وبين «الطموحات الثورية» المرجوّة.

أما الحزب الشيوعي التشيلي فيرى المؤلفان أنه «حافظ على نفس الأوهام» قبل تحوّله في وقت متأخر إلى تبنّي مقولة الكفاح المسلّح أثناء حكم بينوشيه. مع ذلك ما يؤكده المؤلفان أيضاً هو أن الإطاحة بالحكم العسكري في التشيلي لم تأت على يد من يطلقون على أنفسهم صفة الثوريين ولكنها كانت في الواقع نتيجة لتضافر جهود أوساط من اليسار مع الديمقراطيين المسيحيين.

ويرى ارنستو اوتون وسيرجيو مونزو أن تحالف «وسط اليسار» البعيد عن الأطروحات الثورية «الطفولية» الذي تولّى السلطة بعد بينوشيه هو الذي أمّن استقرار المؤسسات، وحقق نتائج هي الأفضل بالمقارنة مع عموم بلدان أميركا اللاتينية، بما في ذلك كوبا. ويتم تقديم عدد من المؤشرات الإحصائية على ذلك في مجال «تراجع الفقر» على وجه الخصوص.

«الرسالة» الواضحة التي يريد مؤلفا هذا الكتاب تقديمها من خلال شروحاته تتمثل في القول إنه ينبغي العمل على تحقيق «مراحل متدرّجة من التقدم» والابتعاد عن الأطروحات التي يرددها اليسار الراديكالي باسم الثورية. لكن هذا لا يمنع من تأكيدهما على أن «تحقيق عالم آخر أمر ممكن» ولكن شريطة «الحلم مع رؤية الواقع»، أو «الحلم مع الاحتفاظ بالقدمين على الأرض»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

الكتاب: بعد الثورة

تأليف: ارنستو اوتون وسيرجيو مونزو

الناشر: لاتلانت ـ باريس 2009

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط

Après la révolution

Ernesto Ottone, Sergio Munzo

L?Atlante - Paris- 2009

224 P.