«نظرية ما بعد الحرب: ملاحظات حول العلاقات الفرنسية-الألمانية منذ عام 1945»، كتاب صغير الحجم ولكنه «كثيف» المادّة. ومن الملفت للانتباه منذ البداية هو أن المؤلف يتبنّى خطا مغايرا، إن لم يكن «معاكسا» للأطروحات السائدة في أوروبا اليوم والقائلة عموما أن الصداقة الفرنسية-الألمانية تشكّل القاعدة الأساسية لـ «السلام في القارة الأوروبية» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت سنواتها الأولى الاحتلال الألماني «النازي».
بيتر سلوترديك يرى من جهته أن البلدين، ورغم محاولة إظهار العكس، يبتعد نهجاهما منذ عام 1945. الفارق الأساسي الذي يؤكد عليه في تحليلاته يعود إلى كون أن ألمانيا قد قامت بنوع من العودة إلى الضمير واعترفت بما فعلت، هذا على عكس فرنسا التي لم تفعل ذلك واستعاضت عنه بنوع من «إلباس هزيمتها ثوب النصر». ويقارن المؤلف في هذا السياق بين موقف فرنسا عند نهاية الحرب العالمية الثانية مع موقف إيطاليا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. نقرأ: «في هذه الحالة كما في الحالة الأخرى جرى التأرجح بعد النصر الممنوح بين الميول إلى تأكيد العظمة والميول التي تدفع نحو تثبيت ما عرفه الواقع. وانتهى الحل في نهاية المطاف على أساس ذهنية تزوير كاملة، إلى هذه الدرجة أو تلك، للنتيجة التي آلت إليها الحرب».
ولا يتردد بيتر سلوترديك في القول أن أطروحة الصداقة الألمانية-الفرنسية، التي يتم التأكيد على أسسها المتينة وعلى الدور الذي لعبته وستستمر في لعبه بالنسبة لمسيرة التوحيد الأوروبي، إنما هي «شبح» اخترعه أولئك الذين يصفهم بـ «محترفي اللقاء الرسمي». أما حقيقة هذه العلاقات فإنه يجدها في «كم قليل من المبادرات الاقتصادية» و«قليل من السياحة» و«الكثير من اللامبالاة المتبادلة». يضاف إلى هذا اللقاءات الدورية التي يتم عقدها في إطار نشاطات المراكز الثقافية.
وبخصوص هذا التبادل الثقافي الذي يعتبره المؤلف «الأكثر أهمية» في المبادلات الفرنسية-الألمانية، يتم التركيز على القول أنه اعتبارا من عام 1944، أي حتى قبل نهاية الحرب، بدأت عملية «استيراد ضخم» من قبل فرنسا لأفكار الفلاسفة الألمان الكبار مثل هيغل وهايدغر وماركس ونيتشه وكارل سميت. وكانت الآلية الأساسية التي استخدمها اليسار الفرنسي في تزوير نتائج الحرب هي «الهروب عبر التمجيد المفرط للعظمة الاشتراكية».
وعلى مثل تلك الأرضية برز مفهوم «الالتزام» و«المثقف الملتزم» في فرنسا. أما عن الجانب الألماني فيرى بيتر سلوترديك أنه تنبغي العودة إلى عصر الثورة الفرنسية من أجل فهم ردود الفعل «السلبية» حيال ما يسميه بـ «النزعة التوسعية» التي يمثل نابليون بونابرت أفضل رموزها.
هكذا وفي جميع الحالات التي أراد فيها نابليون «تصدير» أفكار الثورة الفرنسية نمت مشاعر معادية للجمهورية وللحداثة وفي المحصلة معادية لفرنسا عامة ولأجيال متتالية. بل وكان ذلك عامل كبح أمام قيام ثورات في بلدان أوروبا الأخرى، وهذا ما يحمّل المؤلف مسؤوليته، جزئيا، على «صدمة نزعة التوسع الفرنسية».
ومسؤولية أخرى تقع، برأيه، على كاهل الفرنسيين أيضاً فيما يتعلق بعدم وجود «مناخ صحي» للعلاقات مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ويقصد بذلك «الانتصار المبتور» الذي مجّده الفرنسيون مما أبعدهم عن أي «نقد ذاتي»، وما يمثّل «هروبا خطيرا إلى الأمام».
وهذا ما يرى أن الألمانيين قد فعلوه في نهاية الحرب العالمية الأولى، ولذلك كان ردّهم على الهزيمة هو التحضير للحرب العالمية الثانية. وعلى مثل نفس المنطق أيضاً يشير المؤلف إلى أن الاتحاد السوفييتي قد اختار بعد هزيمته عام 1918 «الهروب إلى الأمام» عبر «تمويه» الهزيمة العسكرية بانتصار ثوري.
ولا يتردد المؤلف في القول أنه كان من حظ الفرنسيين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وجود شخصية مثل الجنرال شارل ديغول، وليس مثل بينيتو موسوليني في إيطاليا بعد هزيمة عام 1918.
لكن الخطير في فرنسا كان، برأيه، الانقسام الحاد بين الديغولية واليسار المتطرف، مما وضع البلاد أحيانا على أبواب حرب أهلية. ويرى بنفس الوقت أن عودة ديغول إلى السلطة عام 1958 وتأسيس الجمهورية الخامسة القائمة حتى الآن، كانت تعبيرا عن «المبالغة في تعزيز سلطات رئيس الجمهورية بحيث أن قصر الاليزيه بدأ وكأنه يريد أن يكون من طراز «البيت الأبيض الأميركي».
في المحصلة يرى بيتر سلوترديك أن ما «يباعد» بين فرنسا وألمانيا هو ما يسميه تحديدا بـ «سياسة الحقيقة» ويرى أن هناك «تعارضا» كاملا في مقاربة البلدين لها، فبين النقد الفرنسي والنقد الألماني هناك «ميل نحو التعارض الكامل فيما يتعلّق بسياسة الحقيقة». ذلك أنه «في ألمانيا يسمّون الهزيمة هزيمة، والجريمة جريمة، وعلى غرار مثل هذا المقياس يتم الحكم على الأمور الأخرى».
الكتاب: نظرية ما بعد الحرب ملاحظات حول العلاقات الفرنسية ـ الألمانية منذ عام 1945
تأليف: بيتر سلوترديك
الناشر: سبرنجر ـ 2009
الصفحات: 90 صفحة
القطع: الصغير
Theory of the postwar periods
Peter Sloterdijk
Springer - 2009
90 P.

