أجرت ربيكا يولاند، المحررة الثقافية لموقع فيبر أند فيبر الإلكتروني هذا اللقاء مع الشاعر والروائي البريطاني توبايس هيل، لدى صور روايته الرابعة «المحتجبون».

حيث ألقى الضوء على العالم الخلفي الذي انطلقت منه روايته التي أمضى السنوات الخمس الأخيرة في الاشتغال عليها، وأبرز بشكل خاص حرصه على التركيز على مفهوم التطرف في روايته من دون التركيز على البعد السياسي لهذا المفهوم، مشيراً إلى اهتمامه بالتاريخ ورغبته في الكتابة عن اسبارطة وعالمها الغامض المفعم بالأسرار وتركيزه على الطريقة التي تضغط بها الظروف الموضوعية على الشخصيات، وتطرق إلى المؤثرات المختلفة على روايته، مقراً بأن القالب الروائي لبس بالقالب الإبداعي الأكثر ملاءمة له، ومعترفاً بأنه يحسد الشاعر والقاص الأميركي ريموند كارفر على التزامه الممتد بالقصة القصيرة. وفيما يلي نص الحوار:

يجلس توبايس وولف على الدرج الرئيسي للمتحف البريطاني، وقد بدا عليه الارتياح بصورة ملحوظة على الرغم من الجو البارد، وقد استغرق في قراءة رواية «الحراس» التي اختارتها مجلة «تايم» واحدة من أفضل روايات القرن العشرين المكتوبة باللغة الانجليزية، ويعكس الحوار معه التنوع الشديد لاهتماماته.

ليس من المدهش، إذن، أن كتبه وأشعاره تحفل بالاهتمامات المتنوعة، التي تشمل القارات والبلاد، حيث يبدو ولعه بالترحال واضحاً. وبعد فوزه بجائزة الاتحاد الدولي للكتاب ـ ماكميلان عن مجموعته القصصية «البشرة» عام 1997، غدت رواياته أكثر طموحاً.

يبدو هذا الطموح جلياً في أحدث رواياته «المحتجبون» التي استغرق خمس سنوات في إنجازها، والتي تتابع تطور بن ميرسر الأكاديمي الشاب المتمحور حول ذاته والدارس في أكسفورد، الذي يركز اهتمامه على تاريخ اسبارطة، وبعد أن يتركه طلاقه محبطاً ومكتئباً، يهرب إلى اليونان، حيث يجد نفسه وقد التحق بالعمل مع مجموعة من الباحثين عن الآثار، الذين يحفرون في موقع أثري اسبارطي.

يقول هيل: «لقد أردت تأليف كتاب عن اسبارطة. وقد كنت مهتماً على الدوام بالتاريخ». هذه المدينة الإغريقية هي حقاً بمثابة عالم غريب على نحو فريد، فهي مكرسة للكفاءة الحربية النابعة من هيكل اجتماعي فريد، حيث يتم تشجيع الأطفال على الاكتفاء بالذات، وحيث أدى استخدام العملة الحديدية إلى جعل التجارة الأجنبية شيئاً مستحيلاً على وجه التقريب..

وكان الاسبارطيون شعباً شديد التمسك بالخصوصية يقدر البسالة الحربية فوق أي شيء آخر وقد فتنت شهرته أجيالاً متتالية. وليس هناك شيء يذكر من اسبارطة يمكن أن يراه المرء اليوم في المتحف البريطاني، ولذا فإن الحوار مع هيل يتواصل في مقهى قريبة من المتحف.يقول هيل: »إن اسبارطة بأسرها هي كلها أسرار، وهي بلا إجابات، كلها أعمال ومن دون جوهر».

يكمن في قلب الرواية سر تأثيره الملوث، حيث إن اسبارطة سر وتاريخ مفقود، وهي بحسبانها كذلك تعتبر مجالاً خصباً للكاتب، كما يقول هيل، وكل ما بقي منها لا يعدو أن يكون شائعات وأساطير يمكن إعادة تشكيلها بلا انتهاء، وما بقي اليوم هو مجرد إحساس، إحساس بالصلابة العفوية والضراوة النابعة من قلب بارد، بالوحشية التي قد تبدو جذابة في عالمنا القائم على السهولة وعلى خدمة الذات سياسياً.

تلك الجاذبية تمنح الرواية حافتها الصلبة، فهي كتاب عنيف، وبشع، وملئ بشخصيات بعيدة عن الجمال ومفعمة بالتهديد، وهو ما يقر به هيل: «بالطبع، إنه كتاب مقيت. وبطله بن هو وحش، حيوان في كهف». ومن المؤكد أن هناك الكثير مما يصعب حبه في شخصية بن، ويقول هيل عنه: »إنه يرغب في أن يكون جزءاً من شيء ما، وهو بحاجة إلى من يحبه». ولكن قوة ذلك الاحتياج شديدة العنفوان بحيث تخيف الناس.

ورداً على سؤال عما إذا كان هيل يرغب في كتابة المزيد عن سنوات الدراسة الأكاديمية التي أمضاها بن في أكسفورد، يقول: »ليس بمقدورك أن تدرج كل شيء في الكتاب، والمهم حقاً هو منتصف الكتاب».ومن الواضح أن هيل يكن مشاعر دافئة نحو بطل روايته، وهو يقول في هذا الصدد ضاحكاً: «إنه شخصية إنسانية، إنسانية للغاية، وهو بحاجة إلى من يحبه. وهناك نوع من القوة يكمن في ذلك، وهو يحب مجموعة الباحثين عن الآثار كلها، وهو يفلح في التغلب على إدارة ظهرها له».ويقر هيل بأن أصعب صراع له مع الرواية كان في كيفية إنهائها.

وهو يعترف مبدياً تعاطفه مع ضعف بن: «لقد واصلت محاولة البحث عن مخرج لشخصيته»، ذلك أن احتياجه اليائس إلى أن يقبله الآخرون يفضي به إلى إضفاء المنطق على السلوك الوحشي الذي تقدم عليه مجموعة الآثاريين، تماماً كما برر سلوكياته الخاصة. وفي نهاية المطاف، فإن ذكاءه ومنطقه يغدوان ملتويين تماماً من خلال عجزه عن خيانة المجموعة. وهذا التلاعب من جانب الشخصيات الأقوى هو شيء جوهري في الرواية.

يوضح هيل ذلك بقوله: «لقد أردت الكتابة عن التطرف، ولكن من دون أن يقتصر ذلك على الأفق السياسي للتطرف، لقد أردت أن أكتب شيئاً عن الكيفية التي يتم من خلالها التلاعب بالشخصيات والسيطرة عليها».

هذه الفكرة على وجه الدقة هي التي تربط أجزاء الرواية، وبالتالي يعود إليها هيل مراراً وتكراراً خلال الحوار معه، حيث أن تصوير تطور شخصية بن مكتوب بحساسية بالغة بحيث أنه لا يعطي أبداً الإحساس بأنه طرح سياسي.

ويوضح هيل أنه يتلاعب بهيكل الرواية وبنيتها من خلال إدراج ما يسميه بالفصول المتعلقة بالأطروحة الدراسية، وهذه الفصول تقع متباعدة وسط السرد الرئيسي، وتقدم الكثير من التفاصيل عن تاريخ اسبارطة ومثلها العليا بأسلوب محاضرات بن وملاحظاته الأكاديمية.

وتتسم هذه الفصول المتعلقة بالأطروحة بجمال خاص نابع من وضوحها ومن طريقتها الخاصة في إظهار حساسية حقيقية في عمل بن الأكاديمي، وهي تضفي لمحة خاصة على الرواية وتغذي أسرارها الخفية.

يقول هيل في هذا الصدد: «لقد أردت التأكد من أن القارئ لديه تلك المعلومات، وأنا أكره المقاطع الإيضاحية الطويلة من الحوارات. ولكن على الرغم من أن هذه الفصول تساهم في إضاءة مفاهيم أبناء اسبارطة عن الآلهة والهولات وطريقة الحياة الصعبة والقيم التي تعتمد عليها حياتهم بل ووجودهم ذاته، وكذلك تضفي المزيد من العمق على نحو رائع على الرواية، إلا أنها في بعض الأحيان تبدو مرتكبة .

وفي غير موضعها، حيث أنها تميل إلى إضفاء إحساس بالوعي الذاتي على الكتابة، وقد تجتذب القراء بعيداً عن الرواية وتذكرهم بأن المؤرخين والكتاب يرون ما يرغبون في رؤيته، وأن الأفكار توجد لتندرج ضمن مشروعات أكبر وأوسع نطاقاً. وهذه الفصول أيضاً تشير إلى الطابع المصطنع للكتابة بما تطرحه من طروحات جريئة من قبيل إن «الكلمة المكتوبة بعيدة عن الأنانية.

ويقول الروائي والشاعر البريطاني رداً على سؤال عن ضغوط عملية القص والانتماء إلى تقاليد أدبية: «بالطبع هناك ميل غريزي من جانب الكاتب إلى نقش اسمه على الأشياء». وعلى الرغم مما يعطيه الحوار مع هيل من انطباع بميله إلى التواضع، فلا شك في أنه ينتمي إلى تقاليد إبداعية راسخة، وروايته «المحتجبون» مليئة بالإشارات والإيحاءات إلى أجناس أدبية مختلفة وإلى الإبداع الأدبي على إطلاقه.

اهتمام تاريخي

«لقد أردت تأليف كتاب عن اسبارطة. وقد كنت مهتماً على الدوام بالتاريخ». هذه المدينة الإغريقية هي حقاً بمثابة عالم غريب على نحو فريد، فهي مكرسة للكفاءة الحربية النابعة من هيكل اجتماعي فريد، حيث يتم تشجيع الأطفال على الاكتفاء بالذات، وحيث أدى استخدام العملة الحديدية إلى جعل التجارة الأجنبية شيئاً مستحيلاً على وجه التقريب.

منى مدكور