منذ قرون، لم يغب الشرق عن اهتمامات المستشرقين، والرحالة، والدبلوماسيين، والكتّاب، والباحثين عن المغامرة. فالشرق، وهو منطقة جغرافية شاسعة تمتد من البحر المتوسط إلى أقاصي آسيا، شكّل الوجهة المفضلة للراغبين في رؤية المفارقات، والتناقضات. والواقع أن هذا الشرق لم يبتعد كثيرا عما سطره الرحالة في كتاباتهم عنه، فهو مسرح للأعراق، والقبائل، واللغات، والتقاليد، والطقوس الغريبة..
. ولم يكن ريفادينيرا سوى واحد من أولئك المغامرين الذين دفعهم الفضول، وحب الاستطلاع نحو ارتياد تلك الأماكن المجهولة، وغير المألوفة.تبدأ رحلة الدبلوماسي الاسباني، بحسب ما يرويه في كتابه «من سيلان إلى دمشق» من مدينة بومباي الهندية، وتقف في مدينة كراتشي، ثم تمضي الرحلة نحو الخليج العربي، أو خليج فارس حيث تقف السفينة البخارية في موانئ عدة مثل مسقط، وبندر عباس، وبوشهر، وصولا إلى البصرة. في هذه المدينة يسترعي انتباه المؤلف «كثرة الدور المهدمة، ومظهر السكان العليل والمكفهر»».من البصرة تنطلق الرحلة نحو بغداد، ورغم عدم ذكر المؤلف لمصطلح (الأهوار)، التي تطلق على مساحات اليابسة الواسعة المغطاة بمياه دجلة والفرات قبل مصبهما في الخليج، إلا أن الوصف الذي يذكره ريفادينيرا يشير إلى انه يقصد الأهوار.
يقول «بدأنا نقطع منتصف شط العرب الهادئ والغزير الذي يمتد كمرآة تحت أقدامنا»، ثم يضيف «إلى يمين ويسار الضفتين، وعند مستوى سطح الماء بالذات، تمتد سهول لمئات الفراسخ المربعة، لا تتخللها أصغر أكمة، ولا أدنى تموّج، فالأرض في كل الجهات تمتد مستوية، وتشكل سهلا بالغ الاستواء، حتى ليمكن تسميته بحق بحر من اليابسة، ويمكن للخصوبة فيه أن تفوق الوصف».
وبعدما يمضي المؤلف عدة أيام في بغداد، يذهب في قافلة برية باتجاه كردستان، إذ يتوقف، أولا، في مدينة كركوك التي تقع، كما يقول، «في واد خصيب بديع. الخضرة تغطي الأرض أينما اتجهت، والوديان تنسجم مع الجبال، والماء يجري كأنه خيوط فضة»، ويلاحظ ريفادينيرا إلى أن قلعة كركوك الشامخة تشير إلى قِدَم المدينة التي يقدر المؤلف عدد سكانها بنحو عشرين ألفا، وهم من «الأكراد، والترك، والكلدانيين»، دون أن يذكر العرب، وهو أمر لافت بالنظر إلى السجال الدائر، الآن، حول هوية هذه المدينة.
ومن كركوك يذهب المؤلف إلى أربيل، ومنها إلى الموصل حيث يتحدث، بإسهاب، عمن يسميهم بـ «عبدة الشيطان»، وهو يقصد أتباع الطائفة الأزيدية الذين ينتشرون في نواحي الموصل، وجبل سنجار وسواها من مناطق كردستان، وحين يستفسر من الأهالي عن سبب عبادة الشيطان يأتيه الجواب: «إننا واثقون من رحمة الله، ولكننا لسنا كذلك بشأن رحمة الشيطان، ومن العدل، إذا، توسلها منذ هذه الحياة»، ولا ينسى الدِبلوماسي، بالطبع، أن يقوم بزيارة لآثار نينوى القريبة من الموصل، والتي تتمتع بشهرة عالمية.
من الموصل تمضي الرحلة نحو زاخو، وهي «قرية من ألفي نسمة، يعيش فيها عبرانيون وأكراد، مستقرة بلطف بين ذراعي نهر يمضي ليصب في دجلة، وفيها مراع وفيرة في السهول التي تمتد لأربعة فراسخ، عند سفوح سلسلة جبال جودي..ويقطن تلك المناطق، حتى بحيرة وان، أكراد مستقلون عن الحكومة، إنْ لم يكن حقوقيا، فعمليا على الأقل».
مدينة ديار بكر هي محطة رئيسة في الرحلة، يصفها ريفادينيرا بغنائية عذبة، إذ يقول «تظهر للعيان في الأرض المتماوجة بساتين وجنائن، ومروج عشب وفيرة، تسحب من أرض مكورة وعميقة رحيق حياة متألقة. برودة صباح بلا غيوم، وجو انقشعت منه أبخرته، يحولان السماء الزرقاء إلى قماشة مشدودة أشبه بلوحة بالغة التشويق والتنوع، وتسكب في فيض من السعادة والفضول والأمل».
ومن دياربكر، وقبل أن تنتهي الرحلة في دمشق، يتوجه المؤلف إلى مدينة حلب حيث يشاهد «مئات المآذن، وقباب الحمامات». ويزيد في الوصف، قائلا: «تنتشر المدينة حول القلعة (قلعة حلب) وتتألف بيوتها من طابقين، وهي مشيّدة من حجر جيد. أسواقها فسيحة، ومسقوفة بالخشب أو القباب، وشوارعها عريضة، ونظيفة، ومستقيمة. يروي المدينة نهر قويق، ويؤمن ساكنوها ببعض الخرافات مثل الإصابة بالعين، ويحتمون منها بالطلاسم، وهناك بيوت لا وجود لمن يقبل السكن فيها خوفاً من الأشباح والعفاريت. عدد سكانها نحو مئة ألف بين مسلم، ومسيحي، ويهودي».
غريزة الكشف، والتقصي هي التي تدفع ريفادينيرا إلى أن يسلك هذا الطريق الطويل بحثا عن الجديد. وهذا الفضول، المنزه عن أي غرض، هو الذي يتحكم في طريقة تعبيره، وأسلوب كتابته. هو يرى، الآن، ما لم يره الآخرون. يدوِّن ما غفل عنه السياح، والرحالة الذين لم يجدوا في الشرق سوى مكان لالتقاط صور تذكارية. كثيرون دونوا مشاهداتهم وانطباعاتهم عن هذه المنطقة، بأسلوب سياحي؛ سطحي، لكن ريفادينيرا نظر إلى المشهد من زاوية مغايرة، وولج عمق الظواهر، مستخلصا حكايات مؤثرة؛ قابعة خلف المشاهد الجميلة، الآسرة في صمت الصحراء، وهدوء السهول، وعلى ضفاف الأنهار، وقمم الجبال.
يكتب ريفادينيرا بأسلوب واضح، وبسيط، وهو «ينأى بنفسه عن أساليب الرحالة الرومانسيين من أمثال شاتوبريان، ولورد بايرون، ولامارتين، وغوتيه...وسواهم ممن جعلوا من شرق البحر المتوسط مكانا خياليا؛ حصيلة أحلام يقظتهم أكثر مما هو حصيلة الواقع»، كما يقول مدير معهد سرفانتس بدمشق، في مقدمته للكتاب،.
وهو ما يشير إليه المؤلف أيضاً، إذ يقول «كل ما نعرفه، نحن الأسبان، عن البلدان البعيدة، علينا قراءته في كتب ألفها أجانب، والواقع أن مؤلفاتهم تلك لا تتميز بدقتها، وتعكس، بصورة مبالغ فيها، شخصية مؤلفيها الانفعالية»، ويضيف: «هدفي هو وصف ما رأيت»، وذلك تجسيدا للقول المأثور: «أفضل وصف يُروى هو ذاك الذي يجعل من الأذن عينا».
الكتاب: من سيلان إلى دمشق
تأليف: أدولفو ريفادينيرا
الناشر: دار المدى ـ دمشق 2008
الصفحات: 228 صفحة
إبراهيم حاج عبدي

