يستعرض أديب ديمتري في الجزء الثاني من كتابه «نفي العقل 2 » جذور العرقية وأسطورة الجنس المتفوق مشيرا إلى العنصرية العرقية والفاشية الجديدة التي أصبحت خطرا يهدد العديد من بلدان الغرب، فضلا عن ظاهرة القمع الفاشي أو النظم القمعية الديكتاتورية والفاشية في العالم الثالث.
والتي تسيطر على معظم بلدان آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي هذا السياق يرى ديمتري بأنه بعد التطورات العالمية التي طرأت على الرأسمالية العالمية بتدويل رأس المال، وبروز دور الشركات متعددة الجنسيات، وعابرة القارات مطلقة القوة والهيمنة، مؤكدا على أهمية تلمس الجذور ومعالجة العرقية والعنصرية والفكر الفاشي ونظمه ،خلال القرنين الماضي وأوائل القرن العشرين.وأشار المؤلف إلى ظروف الحرب ودبلوماسية الأساطيل والقوة متحدثا عن نيتشه في القرن الماضي وشبنجلر في أوائل القرن، وهتلر في الثلاثينيات بلغة العرقية والهمجية والتوحش ذون خجل أو تعريف أو تنميق، وممارسة الإبادة في معتقلات أوشفتيز وداخاو وغيرها علنا.
وعن قضية العنصرية في الماضي والحاضر يذهب ديمتري إلى أن أسبابها واحدة لم تنقطع منذ العبودية والرق في الإمبراطوريات القديمة حتى الكولونيالية والإمبريالية في تاريخنا الحديث، فقد تتابعت الطبقات والنظم منذ بدأ استغلال الإنسان للإنسان، وتغيرت المصالح والأشكال ولكن الجوهر الاستغلالي ظل واحدا لا يتغير وإن تزايد اتساعه وعمقه وكثافته.
وعن العداء للسامية يرى المؤلف بأنها تكمل بأشكالها الصورة العرقية والتي أخذت طابعا عرقيا شوفينيا ودينيا، وهي تعود إلى الأسباب التاريخية نفسها التي نبتت في تربتها النظريات والممارسات العرقية عموما، وكانت وجها لها لاينفصل.
تطرق الباحث إلى فاشية القرن العشرين وأشهرها وهي الفاشية الإيطالية، النازية الألمانية، وإسبانيا فرانكو، وبرتغال سالازار، وغيرها من الفاشيات التابعة في عدد من دول أوربا الوسطى والشرقية، والتي تعد الطرح الأخير المر بجذوره الممتدة في فكر اللاعقلانية، وتراثات الرومانسية الرجعية والصراعات الاجتماعية التي صاحبتها، مع صعود حقبة الغمبريالية ودخول النظام الرأسمالي العالمي .
وفي السياق نفسه يطرح ديمتري سؤاله عن مدى احتمال تكرار هذه التجارب والمحن بالشعوب في المرحلة الراهنة، ومدى الخطر الكامن خاصة بعد معاودة موجات اليمين واليمين المتطرف والفاشي بوجه خاص في الأزمنة الأخيرة، وفي أكثر من بلد إمبريالي وتزايد عدوانية الإمبريالية وبخاصة الإمبريالية الأميركية في مرحلة الركود والكساد الراهنة .
ومن جهة أخرى أشار المؤلف إلى الصهيونية المعاصرة وبوجه خاص في الكيان والدولة الصهيونية التي نشأت في ظروف المد الديموقراطي العالمي بعد هزيمة الفاشية في الحرب العالمية الثانية ،والتي قدمت نفسها على أنها واحة الديموقراطية في وسط عربي متخلف وهمجي بعيد عن فهم ديموقراطية الغرب ومثله في الحرية والديموقراطية التي تنتمي إليها، منوها في استمرارها في نهجها العدواني والفاشي والعزلي من نوع الأبارتيد الذي لم يعد يخفى على أحد.
وفي تعريفه للفاشية يذهب الكاتب إلى أنها كلمة ايطالية le fascio وهي تعني التجمع في حزمة من الإرادات الموحدة، وكانت في الأصل شعار الفلاحين المعارضين في جنوب ايطاليا، وفي أواخر القرن التاسع عشر أعيد إحياء الشعار في الدعايات الحكومية ينذاك عشية دخول إيطاليا في الحرب.
وسلط المؤلف الضوء على التيارات العرقية والعنصرية ونظمها في عصرنا الحالي، والتي تهدد مستقبلنا، وعالمية رأس المال وهي ظاهرة العصر الراهنة وفوق الجنسية وشمول نظامها، والذي يقف وراء استشراء أساليب القمع الدموي والتعذيب والغبادة الجماعية وأشكال التعصب العرقي والطائفي الديني وهي كلها آفات عصرنا اليوم.
وفي الإطار نفسه وقف الكاتب عند الأيديولوجية الصهيونية والمفهوم الحيوي العرقي الذي وجد مفهومه الحيوي بوضوح عند هس رائد الفكر الصهيوني بعد هزيمة 1848 وداعيتها الأول ،إذ يرى بأن البشرية تتقدم من خلال صراع الطبقات وصراع الأعراق على حد سواء قالبا بهذا مفاهيم الماركسية رأسا على عقب، متحدثا عن أجناس سائدة وأجناس مقهورة .
ويعتبر ديمتري محاولة تعريف الفاشية والعرقية بكلمة أو كلمتين هو اللاعقلانية أو نفي العقل أولا وأخيرا ،مؤكدا على أن الصورة التي يقدمها «جورج لوكاتش» في مؤلفه الكبير «تحطيم العقل»، والأجواء العقلية السائدة حينذاك بفعل الهزيمة وعشية صعود الهتلرية والحركة النازية، تكشف على أن القضية ليست قضية ألمانيا وتراثها وتاريخها، وإنما هي الإنسان حين يغيب وعيه ويكاد يفقد عقله وينحدر إلى مهاوي الجهالة والسذاجة، فالقضية هي قضية الإنسان في المحل الأول، الغنسان المسلم أو اليهودي او المسيحي، العربي أو الاعجمي، المؤمن أو الملحد.
المؤلف في سطور
أديب ديمتري كاتب ومفكر مصري مقيم في باريس، وهو باحث في شؤون الوطن بفكره التقدمي والاجتماعي، ومن أهم مؤلفاته: كتاب «ديكتاتورية رأس المال»، و كتاب «نفي 1»، وكتاب «وهم السلام»، وكتاب «الماركسية والدولة الصهيونية (الوجود والكيان)».
الكتاب : نفي العقل جذور العرقية واسطورة الجنس المتفوق
تأليف: أديب ديمتري
الناشر: دار كنعان دمشق 2008
الصفحات: 271 صفحة
القطع: المتوسط
ناهد رضوان

