تسعى الناقدة وجدان الصائغ في كتابها «شهرزاد وغواية السرد» عبر عشرين قراءة ونيف في تجارب من القصة والرواية النسوية العربية أن تقدم محاولة نقدية لبلورة شخصية السرد الأنثوي بعيدا عن الانشغال بالتنظير على حساب فراديس النص وفضاءاته باعتبار أن ما يقال عادة عن السرد الأنثوي وعن تكوينه ومناخاته لا يمكن أن يمثل مصداقية تأويلية ما لم تكن مبنية على التأمل في تجارب أنثوية سعت وبجهد ذاتي إلى أن تحدد ملامحها وتبلور هويتها في زمن الشتات والتشظي.
وتستخدم المؤلفة في قراءتها لأعمال الأديبات الروائية والقصصية المنهج التأويلي المنفتح على مناهج عديدة تعنى بدراسة فضاءات النص الذي تجعل منه نقطة انطلاقها النقدية فتدرس أولا السرد الأنثوي العربي الذي لفت الانتباه إليه من خلال ما يمتلكه من مقومات حداثية أثبتت جدارة حضورها في المشهد الثقافي العربي إذ تجاوز هذا السرد إطار الجسد الأنثوي الناعم ونداءاته المحمومة للاكتمال بالآخر. وإطار الغرف المغلقة ونصف المضاءة ليعلن عن حضوره عبر انشغاله بقضايا الواقع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تندغم بالوجع الأنثوي القادر عن التعبير عن مباهج الأنوثة ومخاوفها بصورة جعلته ذا خصوصية تتصل بطيعة الأنثى البيولوجية والنفسية وظروفها الاجتماعية الخاصة.
ويبدو اهتمامها بالمنجز السردي النسوي العراقي واضحا إذ تخصه بالمبحث الأول الذي تبدأه بالسؤال عما يمثله هذا المنجز من نسق عام أم صياغة جديدة لصرخات شهرزاد بوجه شهريار وليله المضاء بأزيز الطائرات وحمم القذائف ؟
فتتناول رواية أولا لطفيه الدليمي (حديقة الحياة) التي أرخت فيها لاغتصاب مدينة بغداد من خلال استصراخ واع للذاكرة الحضارية المنهوبة عبر استدعاء لوحة الجورنيكا من قبل بطل روايتها غسان، ثم تنتقل لدراسة رواية ميسلون هادي (نبوءة فرعون) التي تتخذ من حدث سقوط مدينة بغداد أيضا موضوعا لها وذلك كما تجلى منعكسا على وعي بطلة الرواية بلقيس الأرملة الشابة.
وتعكس رواية بتول الخيري(كم بدت السماء قريبة) علاقة الإنسان بالمكان من خلال تشغيل واع للبعد التشكيلي الذي يستدعي أيضا مناخات الجورنيكا. كذلك تحاول رواية هدية حسين (ما بعد الحب) عذابات الإنسان العراقي ما بعد حرب الخليج الثانية.
وقبل أن تتناول تجربة الروائية المصرية سحر الموجي تطرح الناقدة سؤالا تفرضه قراءة رواية الموجي(دارية) يتعلق بعلاقة المخيال السردي الأنثوي بالحلم، حيث يتم إخضاع الحلم لآليات النص المؤنث خاصة وأن الرواية تقوم على بنية سردية تستخدم تقنيتي الواقع والحلم إذ يشكل الأخير مفتاحا هاما من مفاتيح القراءة التأويلية ويضع بطلة الرواية أمام إشكالية الثقافة الفحولية التي تحرم امتلاك الجسد الأنثوي رأسا وفكرا.
وإذا كانت الرواية النسوية قد استطاعت عبر نماذجها المتميزة أن تغدو مرايا سردية تمكن أفق المتلقي من رصد ملامح الأنا الأنثوية فإن روية هيام المفلح(الكتابة بحروف مسروقة) تتقمص خصوصية الخطاب الأنثوي وقدرته على تمثل عالم المرأة من خلال السرد السيري لتجربة حياة كاملة كما تنعكس على وعي الكينونة الأنثوية الساردة للكشف عن الوجع الأنثوي الخاص الذي يسكن هذه الكينونة المرهقة منذ ساعات ولادتها الأولى، حيث تتأرجح البنية السردية بين الحوار الذاتي والحوار الخارجي.
وفي دراستها لرواية أحلام مستغانمي(فوضى الحواس) تتناول سلطة النص الآخر(المقتبس) ومهارة الخطاب الروائي في دمج ذلك النص في بنية السرد الروائي متخذة من فاعلية الصورة البيانية خصوصية لإبراز فرادة الخطاب الأنثوي الذي احتضنته تلك الرواية التي أظهرت كذلك سلطة الأنثى عبر استدعاء الشخصيات النسائية ذات الدلالات المختلفة مما يكشف عن طبيعة الوعي الجمالي في استثمار فضاءات النص الآخر المختلفة لتخليق خطاب روائي ذي مرجعية معرفية واسعة ومنح هذا الخطاب حسا إنسانيا عالميا.
وتتجلى ثقافة الموت في رواية هدى بركات(أهل الهوى) من خلال ثيمة الجسد الذي يتماهى لبطل وبطلة الرواية المنتميين لقريتين متناحرتين أثناء الحرب الأهلية اللبنانية حيث تعكس الرواية المفارقات التي تطرحها ثقافة الحرب التي تهدر قيمة الوجود الإنساني المستباح بالقتل.
وتبرز غواية الشعر في روايات ليلى العثمان بوصفها خصيصة قصصية طاغية حيث تستفيد في مجموعتها(يحدث كل ليلة) من الذاكرة الحكائية في ألف ليلة وليلة ليعكس السرد عمق الجرح والعنف الجسدي والنفسي الذي تعيشه المرأة حتى يصبح جحيم المكان يحيل على قسوة التجربة والوأد الفكري الذي تحياه في الواقع.
وتكشف الروائية المصرية عائشة أبو النور في مجموعتها(ارحل لنلتقي) عن سعي ملحوظ لمنح السرد فضاء بصريا جديدا يقترب في تسطيراته من المعمار الطباعي لقصيدة النثر ويعمل على تفتيت البنية السردية كما تستخدم الترميز في فضحها لأوجاع الواقع السياسي والفحولي ، وتعود في قراءتها لمجموعة القاصة والروائية العراقية إرادة الجبوري(فقدانات) إلى تأمل تجربة الحرب الفظيعة كما تقدمها قصص المجموعة التي تعمل على تقديم نفسها بوصفها نصا مفتوحا متخما بثقافة الفقد والموت لذاكرة مشروخة بشظايا الحرب الطاحنة وما تولده من مشاهد العبث التي تعصف بحياة الإنسان.
وتجد في رواية ميرال الطحاوي (نقرات الظباء) بعدا سيريا أنثويا يتخذ من الثقافي والتاريخي والسياسي أدوات فنية لرسم وقائع وأحداث جرت على أطراف الصحراء وتكشف عن الصراع بين عالم البداوة والمدينة من جهة وبين عالم الفحولة والأنوثة المهمشة من جهة أخرى.
وتصل الناقدة وجدان الصائغ في نهاية قراءاتها إلى مجموعة نتائج تتعلق بالإجابة عن سؤال إشكالي يتعلق بحقيقة وجود سرد أنثوي والغريب أن أغلب الإجابات التي تستحضرها هي لأدباء رجال في حين تأتي إجابتها مختصرة في النهاية نافية وجود تقسيمات في الأدب على أساس هوية كاتبها أو كاتبتها الجنسية لأن الأدب يظل هو الأدب.
الكتاب: شهرزاد وغواية السرد: قراءة في الرواية والقصة الأنثوية
تأليف: وجدان الصائغ
الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف بيروت/ الجزائر 2008
الصفحات: 244 صفحة
القطع: المتوسط
مفيد نجم

