في القاعات الأرضية الجميلة المخصصة للعروض الفنية داخل مبنى الجندي المجهول الذي يقع بقلب العاصمة الايطالية روما، أقامت بلدية المدينة بالاشتراك مع وزارة الكنوز الثقافية، معرضا فنيا كبيرا ضم نحو 250 عملا فنيا للفنان الفرنسي اوغست رينوار( 1841- 1919) جمعت من مختلف متاحف العالم وعدد من مقتني اللوحات في ايطاليا.

قال الشاعر والناقد الفرنسي بول فاليري «يعيش المرء ويموت في ما يراه، لكن الذي يراه هو ما يحلم به حسب. هذه العبارة المأثورة، تنطبق على الفنان رينوار، الذي كان فنانا عاش طيلة حياته لا يستمد من الواقع الا ما يثير حسه الجمالي بكل ما هو رائع في الحياة والطبيعة. عاش رينوار طيلة عمره لا يستمد من الواقع الا ما يسره بالفعل، ففي معظم أعماله الفنية، الزيتية، الغرافيكية، منحوتاته، تخطيطاته الملونة بألوان الباستيل، اختار رينوار ان يمثل الأشياء التي تبعث على المسرة في الناس. فقد كان للأجواء المحيطة به تأثير لا يقدر عليه، اذ لم يعلق في ذاكرته شيء من المعاناة والألم التي قيد الفنانون الآخرون أنفسهم غالبا بها، بل سمح لنفسه ان ينطلق على هواه بموضوعاته التي اتخذ من خلالها مسلكا يكاد يكون مختلفا لما سار عليه اصدقاؤه الانطباعيون، فهو لم يكتف بتصوير مشاهد الحياة اليومية.

بل برع في إعطاء المنظر الاعتيادي حيوية جديدة، وفي اكتشاف الإيقاع الشعري للعمل الفني مثلما فعل كبار الفنانين في عصر النهضة الايطالية وعلى رأسهم الكساندرو بوتشيللي الذي اعتمد وضع خطوط الموضوع العامة وتنظيمها، كما حافظ على إطار التأليف وما يتطلبه من فصل السطوح باتجاه العمق، واعتماد التدرج اللوني والرؤية العميقة التي جعلت سطح اللوحة أكثر زهوا وتألقا.

ان مثالية هذا الفنان التي تجلت في انطلاقه من مشكلة الموضوع، ومشكلة الهواء الطلق وتسجيل تباين نسبة الضوء مع الأشكال الخطية تمت في لوحات كثيرة « الشقراء المستحمة» و «المقصورة» و«الراقصة» و«حفلة غداء على القارب» و«الارجوحة» و«طاحونة غاليت» وعشرات غيرها.

لقد قضى اوقاتا طويلة على ضفاف نهر السين في باريس وهو يرسم الأطفال، النساء الجميلات الممتلئات، الفاكهة، الأزهار والأعشاب، الحدائق والبساتين والجداول النهرية، والمقاهي التي تطل على النهر، وكلها غارقة في ضياء بهيجة، على صعيدي الجمالية والتقنية، والتي أخضعها للحس الرومانسي فقط ،الا انه سرعان ما اكتشف بان ثمة مخاطرة في عمله الفني خارج محترفه التصويري، في العراء، مع الطبيعة مباشرة، بسبب عجز وسائل الإدراك البصري المباشر وحدوده الضيقة.

والشعور بهذا العجز يتمثل في التحولات في درجات الضوء ورداءة الطقس الجو وتقلباته، الأمر الذي يضطره في أحيان كثيرة إلى إجراء تعديلات كثيرة على ألوان اللوحة داخل محترفه، وعليه فانه وجد والحال هذه تعذر إكمال العمل واخذ استحقاقه النهائي داخل محترفه الفني، ولهذا السبب قرر البدء من جديد بعد ان أدرك ضرورة التأليف، معلنا ان الرسم هو أولا نتاج مخيلة الفنان وليس نسخة عن الواقع الماثل أمام عينيه»، فكرس عمله منذ عام 1890 بأحداث انقلاب في المعادلة الفنية، تتمثل بإسقاط العالم الخارجي وتحويل مساراته إلى العالم الداخلي.

وطرح الحلول المبنية على جمع ألوان باتت منفصلة عن أي تمثيل صوري فقام برسم الأشخاص والصور العارية، وبرع في رسم سلسلة طويلة من اللوحات، من أشهرها الفتيات الصغيرات بالقبعات و «اختان تقرءان» و «مستحمة جالسة على صخرة» و« فتيات على شاطئ البحر» وغيرها، معتمدا على عناصر موضوعية وتأليفية اساسية في اللوحة من داخل محترفه الفني، متبعا فضاءا تشكيليا واحديا.

وخاضعا عناصر اللوحة التي كان يرسمها في الاستديو لبنية هندسية واحدة،مستعيضا عن المنظور الخطي الذي ترسمه الطبيعة بقيم لونية صافية نابع من تجربة الفنان الذاتية. وهكذا تنتقل الانطباعية مع رينوار في تجربته الجديدة من مفهوم هندسي ترسمه الطبيعة في العراء يراعي القياسات والنسب إلى مفهوم حدسي أكثر عفوية في مخيلة الفنان، وبهذا فانه ساهم بتحقيق أول محاولة للتخلي عن التسجيل المطابق لمظاهر الواقع الذي ترسمه الطبيعة، والانتقال، من ثم، إلى واقع آخر أكثر استقلالية إزاء الموضوع.

لقد مثل رينوار داخل المدرسة الانطباعية حالة خاصة، أعطى الانطباعية بفنه مناخها المضيء والأكثر سطوعا وتألقا وبهورا. لقد كان متأثرا بالفنان انغر واوجين دولاكروا وكلاسيكياتهم الشهيرة، الا انه وبعد زيارة الحج الفنية التي قام بها إلى ايطاليا عام 1883 أسوة بعشرات الفنانين الأوروبيين، وإعجابه الشديد بفنان عصر النهضة روفائيل وبوتشيللي، أعطى الانطباعية التي تباين أصحابها في الرأي والأسلوب، إلى ان تعتمد تمثيل الإحساسات الأولية.

وتمثيل الأشياء نفسها والحفاظ على مظهرها الحقيقي وقوة الصورة البصرية، جامعا بين البنية الكلاسيكية والعمل على الطبيعة، فساهم بإنتاج اتجاهات غنية متباينة، مع انه ظل معبرا عن ارادة لخلق انطباعية تتجاور والتطورات العلمية والمساهمة بتحديد أبعادها كتيار جديد متمسك بتطبيق القواعد العلمية والمطالب بالعودة إلى قوانين الطبيعة والنشاط العقلي، بهدف تحويل الكون المرئي إلى ارتجاجات من البقع والخطوط والمساحات الملونة المتجاورة، من خلال اعتماد تقنيات منهجية تطبيقية، تصل إلى اللونية الضوئية المحدثة وقانون التضاد المتزامن بتثبيت الضربات اللونية او تجزئتها بحسب منهج يقترب إلى العلم.

من الواضح ان الانطباعية لم تتبع، في مسيرتها العامة، منهجا فنيا محددا يلتقي عنده جميع الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه المدرسة الفنية الجديدة، والتي اهتمت بالتحليل الدقيق للرؤية الفنية، لكنها خلقت تحولا كبيرا في مسيرة الفن من خلال تجديد المواضيع دون تغيير مهم في بنية العمل الفني، وهو ما قاد إلى خلق مشكلات في التعبير ووسائله عند بعض فنانيها.

التحق أوغست رينوار في مطلع حياته الفنية بمشغل لأحد الرسامين التجاريين ليباشر رسم الصور الدينية على الأقمشة، بعدها حقق حلمه القديم بالتحاقه بمعهد الفنون الجميلة، الا انه سرعان ما هجر معهد الفنون مع عدد من أصحابه، حيث شرعوا يرسمون في الهواء الطلق في غابة «فونتيبلو» الشهيرة، فتعرف على مجموعة من الفنانين .

وفي مقدمتهم الفنان كوربيه، الذي تأثر به كثيرا في رسومه الأولى. عند اندلاع الحرب الفرنسية- البروسية عام 1870، كان رينوار أثناء تلك الفترة قد حقق بعض التألق، الا انه اضطر لتأدية واجب الخدمة العسكرية، وتشاء الصدف ان يلتقي بأحد تجار اللوحات الفنية ليقتني منه عملا فنيا، واعتبر هذا منعطفا كبيرا في حياته نحو تحقيق ما كان يصبو اليه من شهرة في الوسط الفني، فرسم لوحته الشهيرة « نساء يرتدن ملابس كالجزائريات» ليشارك بها معرضا لمجموعة من الرسامين الانطباعيين، أمثال بيسارو ومونيه.

في بداية خريف عام 1873 استقر في حي «المونومارت» بباريس، فباشر رسم أعمال فنية نال شهرته الواسعة، ليحقق مشاركته في أول معرض جماعي للانطباعيين .

ولم يصادف المعرض النجاح الذي كان يرتقبه، فشرع يحث زملائه ومن جديد بإقامة معرض جماعي، الا ان المحاولة فشلت هي الأخرى، وأحدثت شغبا وتدخلا من قوات الشرطة ضد المحتجين على الأعمال الفنية المعروضة، الا انه استطاع من خلال هذا المعرض بيع عدة لوحات. وفي عام 1875 اشترى احد المعجبين باعتماله لوحته الشهيرة «الأم والأطفال» بمبلغ كبير، الأمر الذي حقق له قفزة مالية كبيرة استطاع من خلالها ان يستأجر غرفتين ويتخذ من الإسطبل القريب من منزله الجديد ليجعل منه «ستديو».

عام 1880 ذاع اسمه وشرعت آماله تحقق شهرة ونجاحا، فباع عمله الشهير «مدام شاربنتير وبناتها» وكتب عنه النقاد إطراءات كبيرة، فرسم رائعته الخالدة حفلة على غداء على ضفاف السين وكتب عنها إلى صديقه الفنان بول بيرار يقول «كانت تغمرني رغبة جارفة ان أتخلص من كل الخلفيات التزويقية.

وأنا اليوم أعكف على رسم لوحة طالما تمنيت رسمها منذ فترة طويلة، تلك هي حفلة على القارب». وتحققت شهرة رينوار، وتلاشت متاعبه المالية، وبدأ برسم البورتريه، فحقق رحلة إلى الجزائر، ليباشر برسم صور عديدة عن الطبيعة والنساء والأطفال، الا انه وبعد عودته من الجزائر، لم يمكث في باريس الا قليلا، فانتقل إلى ايطاليا، فزار روما والبندقية وفلورنسا، وجزيرة كابريي التي أنجز فيها رائعته «الشقراء المستحمة» فوصف نفسه أثناء رحلته الفنية هذه يقول «انا كالطفل المدرسي أمامه ورقة بيضاء عليه ان يكتب عليها بعناية فائقة».

بعد عام 1890 كرس رينوار فنه لرسم الأشخاص والعاريات، الا انه وهو في قمة مجده الفني، اصيب بمرض شديد لم يمنحه الراحة التي عهدها من قبل، فأقعده الروماتيزم وشله عن الحركة الأولى ليصبح شبه كسيح، الا انه ظل مواظبا لانجاز العديد من التخطيط بألوان الباستيل، وبدأ يرسم المناظر الريفية من مدينته الصغيرة جنوب فرنسا.

حيث أبدع في تصوير الشمس وضيائها، كما نقل صور «الريفيرا» الفرنسية بألوانها البلورية التي تزينها زرقة البحر الدائمة، ثم قدر له أثناء حياته وضع لوحته الشهيرة «صورة مدام شارينتير» في متحف اللوفر بباريس، وكان يتنقل على كرسي ذي عجلات متحركة مخصص للمقعدين، وأغمض عينيه في رحلة الوداع الأخيرة صباح يوم 3 ديسمبر عام 1919.

رينوار في سطور

* ولد الفنان الفرنسي أوغست رينوار في مدينة ليموج جنوب فرنسا.

* اظهر منذ طفولته اهتماما بالرسم، فسحبه والده من المدرسة ليلحقه بإحدى مدارس الفن المتخصصة بطباعة البورسلين، ليباشر عمله بالتصميم على الرقائق والأقداح والأواني، جنبا إلى جنب تلقيه دروس مسائية في مدرسة فنية محلية.

موسى الخميسي