أجمل الأشياء اللحظة التي تفاجئك بسعادة، صغيرة كانت أم كبيرة، ومنذ أكثر من ستين عاما كنت اخلق سعادتي بيدي لكي اصمد مكافحا. على الرغم من ان حولي أناسا طيبين وأوفياء حريصين علي.

وجاءت أمسية التكريم من عجمان التفاتة إنسانية وأخوية وتحمل الكثير من روح التحضر وتنير الطريق الذي تسير فيه دائرتها الثقافية، للذكاء الذي يمتلكه القائمون عليها، حتى إنهم يكرمون فنانا لا يعرفونه، كنت سعيدا جدا وكان اليوم يوم سعادة متميز لي ولعائلتي، جاء كل أصدقائي وبقية الناس بالعشرات لا اعرفهم ولا يعرفوني، احتفلنا معا بجهد إنسان عمره الإبداعي 50 عاما وخمسة اشهر. أحسست لحظتها انه لا شيء يذهب سدى لا الإبداع يضيع ولا الخير يضيع، لقد كرمت كثيرا في السابق من عواصم عديدة في الدول العربية وفي الشارقة كرمت أربع مرات من قبل دائرة الثقافة والإعلام، ولكن لوضعي الصحي الخاص رأيت في هذا التكريم أملا كبيرا من البصيص المألوف.. يعجز الكلام عن شكرهم، الشكر قليل ولا املك محبتي وفرط محبتي لأقدمها لهم.

بهذه الكلمات ومن على الكرسي المتحرك في منزله، يعلق المخرج العراقي والباحث المسرحي العربي قاسم محمد على تكريمه بجائزة شخصية العام الثقافية من قبل دائرة الثقافة والإعلام بعجمان، تكريما لسنوات قضاها في الإمارات محركا الكثير من مناطق الركود في مساحات الساحة المحلية.

حيث كتب وأدار الحوارات وبحث في التجربة وشارك وساهم في منشطها واخرج وألف لها العديد من الأعمال المسرحية وعلى رأسها إخراج أعمال صاحب السمو الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وطيلة وجوده في الإمارات لم يهدأ هذا المسرحي العربي الذي نذر نفسه للبحث في جماليات الثقافة العربية وفي شعبياتها وموروثاتها..

حينما كنت استعد للقائه أردت ان أركز الحوار على أمور جوهرية في علاقته بالتجربة المسرحية الإماراتية باعتباره خبيرا وباحثا عربيا جاء إلى الإمارات حاملا رؤاه المسرحية لأبناء جلدته في العروبة والإبداع الإنساني، كنت أحاول قنص ما على لسانه من مؤشرات هامة.

وكان علي ألا أطيل وأكثر من الأسئلة مراعاة لصحته، استعدت في ذاكرتي لقاءاتي معه في أروقة البروفات والمسارح ولقاءات الصدفة، فوجد حصيلة الذكرى تشير إلى انه أهداني كتبا كثيرة وقصائد، كلها بحوث ونصوص في المسرح، وفي كل مرة كان يقول لي.. يجب ان ننفذ هذا النص أنا وأنت..أثناء عمله في معهد الشارقة للفنون المسرحية، ووسط صمت المكاتب الباردة شاهدته مرارا وحيدا يخطط ديكورا لعرض قادم، او ينقش في مخطوط جديد لنص مسرحي،.

وفي كل مرة كان يقول الجملة نفسها..تعال أنت وآخرون لنجلس معا، نفكر، نتحاور ثم قد نبدأ التدريب، تعال لنتمرن، التمرين مهم جدا.. لسنوات طويلة وانا اسمع منه هذه الدعوة.. لكني لم ألبها بالرغم من اني فكرت في ان افعل ذلك، لم تحن الفرصة الا في هذا اللقاء وأنا اذهب اليه في منزله لأجده على كرسي متحرك وهو الذي كان يحرك فضاء المسرح وما في مجرته أمام مئات المتفرجين في أعماله المسرحية المدهشة.

بحضور الشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام في عجمان وحشد كبير من محبي هذا المبدع العربي في حفل التكريم الذي أقيم في الأول من فبراير 2009 كان الموعد مع سيرة هذا الفنان، وسيرة السنوات الخمسين .

وهي رحلته في كواليس المسرح ابتداء من العراق مؤلفا ومخرجا ومعلما لفنون المسرح ومرورا بدراسته لفن المسرح في موسكو في العام 1968 ثم عمله في العديد من البلدان العربية مع طلبة وفنانين اعتنقوا المسرح ومرورا بمحطته الحالية في الإمارات والشارقة على وجه الخصوص وقد قدم اليها في العام 1997 حينما دعته فرقة مسرح الشارقة الوطني للعمل معها. في ذاك الحفل تداعت سيرة مبدع عربي يرى فيه تلاميذه ومحبو فنه أستاذا قدم لخشبة المسرحية العربية أعمالا مهمة تنهض بالموروث الشعبي وكتبا وورشا تدريبية أفاد فيها قطاعات كبيرة من الشباب العربي..

سألته كيف يقرأ الحالة المسرحية في الإمارات بعد هذه المعايشة والاشتباك الحياتي معها؟ كيف يتبصرها ويلج إلى بنيتها الفنية؟ وهل تسير في فضاء الإبداع المحض ام أنها تعاني من ظواهر ومعوقات؟ وبدا الرجل يقرأ الحالة بإصرار على منهجية الجدل، يقول قاسم محمد: حينما ندخل إلى أية إشكالية إبداعية سواء كانت هنا في الإمارات او في وطن عربي يجب ان نقيم الجدل لا النقاش، فالنقاش يذهب أدراج الرياح والجدل يعلمنا الماهيات والكيفيات وهذه مكونات مهمة، فالماهية تأخذ روح الثقافة الشخصية للوطن، الهوية..

يقول طاغور لكي تصبح عالميا عليك ان تكون محليا اولا، وهنا جدل المحلية والعالمية، ومن هنا نذهب إلى التركيبة السكانية كوضع اجتماعي في الإمارات، في الإبداع السؤال أهم من الجواب، السؤال جدل والجواب حالة عادية ومستنفذة.. في الحياة المسرحية المحلية في الإمارات لا يذهب الأخوة المسرحيون إلى منطقة الجدل، لا يجلس اثنان ليسألا الأسئلة، هناك افتقاد للحس الذهني الذي يجب في حالة المسرح ان يمتد إلى 24 ساعة.

.أتمنى على المسرحيين الإماراتيين ان يبدؤوا جلسة حوار الجدل لهذه المسألة نظرا لأهميتها، هم يعملون وينتجون أعمالا مسرحية مهمة لكنهم لا يجلسون حول أسئلتها، هناك شيء يشبه حب الذات ولا على أساس متين! فعلا أتمنى ان يبدأ اثنان منهم بالجلوس وإدارة حالة الجدل حول التجربة الإبداعية المسرحية المحلية، أو تجاربهما الخاصة، ومع الوقت سوف ينمو الجدل ويكبر وسوف تتشكل مجموعة اكبر حوله وهكذا..

قلت له: المسرح في الإمارات يعاني من انه صوت وحيد وخافت في وسط زخم من التعددية الثقافية، الثقافة الأخرى، الوافدة. فكيف له ان يصبح مسموعا وواضحا وسط هذا الضجيج؟

قال قاسم: يحتاج الوسط المسرحي في الإمارات إلى انفتاح اوسع والى توظيف هذه التعددية الثقافية والاتكاء عليها لاظهار الخصوصية الثقافية، فالمسرح ثقافة عالمية على الرغم من محليته، لماذا لا يذهب المسرحيون المحليون إلى المسرح الهندي والمسرح العراقي الشعبي، فهذه التعددية الثقافية هي نطاق مستهلك للثقافة وبالإمكان ان نقدم لها أعمالا مسرحية تنطلق من خصوصيتها لكي يصبح المسرح ظاهرة واضحة في المجتمع..

ثم ان هناك نقطة مهمة لها علاقة بالمسرحي الإماراتي والتي تكبله عن عطاءات اكبر في محيط التفاعل، فالمسرحي الاماراتي ليس متفرغا لفنه، هو يبحث عن بقايا وقت لممارسة إبداعه المسرحي، فيما ان المسرح ظاهرة إبداعية تتطلب تفرغا على مدار ال 24 ساعة، يحتاج إلى وقت للبحث والتجهيز والتمرين وإعادة النظر في كل خطوة، فالتفرغ سيتيح فرصة لإيضاح منهج علمي، خلف فضاءات علمية، فنية يشارك فيها المسرحيون المحليون وأساتذة من الداخل والخارج..

وكما أشارت التجربة المسرحية المحلية على الرغم من ذلك لديها التماعات خطرة لكن هذه الالتماعات الجميلة لم تصبح ظاهرة كبيرة وواسعة، فكل ذلك مرده إلى جهود فردية مرتبطة بفردية إبداعية، على صعيد التمثيل، الإخراج والتأليف أيضا..

ما زلت إلى اليوم أتذكر تلك اللحظة الرائعة التي شاهدت فيها مسرحية «ما كان لأحمد بنت سليمان» للمخرج ناجي الحاي..عمل رائع وخطر، قلت لحظتها «آه لو كان هذا عملي» كثير من المسرحيين عملهم خارجي، تبهرهم الصورة الخارجية، اما ناجي الحاي كمخرج فعمله يرتكز على الداخل على «الجواني».. ولا اخص هذا العمل بالذات في حديثي فهناك أعمال كثيرة أبهرتني وعشقتها.. لكن التجربة المسرحية في الإمارات في مجملها تحتاج إلى الجلوس والنقاش وطرح الأسئلة ولا أرى المسرحيين الإماراتيين يفعلون ذلك.

عرف عن المخرج قاسم محمد اشتغاله المسرحي على الموروث العربي، نبش في منطق الطير وفي التصوف، وذهب إلى الأسواق الشعبية والتقط منها شخصياته ومقولاته وأهازيجه، حلاق بغداد وغيره، بحث في الملابس والفعل المسرحي، الإشارة والدلالة والسيمياء العامة، وصنفته الساحة المسرحية العربية كواحد من الداعين إلى الذهاب إلى الطقس العربي لحد التطرف..

ومن هذا المنطلق سألته عن مدى استئناسه للفضاءات المسرحية التي تمزج الفيديو والسينما وتدخلها إلى لعبة المسرح كنوع من التجريب والتجديد والدمج بين الفنون فقال ودون تردد: خانقة للعرض المسرحي لأن العملية لا تتم بدقة ولا بإيقاعية تنسجم مع المسرح والإنسان..

قد تستهويني لعبة السينما فوق الخشبة للحاجة الضرورية وربما لدقيقة واحدة وبشرط ان تكون ممسرحة، اي على السينما ان تفقد وظيفتها الأولى لكي تكتسب وظيفة المسرح، في هذه الحالة يمكنني ان اسمح لها بالتطفل على مسرحي الإنساني البحت..حتى القناع في المسرح له إشكالية كبيرة، ما اجمل وجه الإنسان وما ابلغه في التعبير والإيحاء، هذا الوجه البشري الحامل لتاريخ القرون الماضية.. ان أجمل ما خلق الله هو وجه الإنسان.

(محنتة طول هذا السفر..

في وهم ضيعني

أضاع مني كل العمر

اكشفه الساعة ويكشفني

ظننتني اني انا المركز والجوهر

وانا من يملك سر السر

وبأني ارأس رأسي

يا لبؤسي...).

قاسم محمد شاعر يتمثل كثير من الشعر في حديثه أثناء إرسال تعليماته للممثلين فوق خشبة المسرح، والادهش أكثر انه كتب كثيرا من سيناريوهات وشروحات نصوصه المسرحية شعر ونثرا، وبدلا من ان يكون الشرح سهلا صار رمزا ودلالة..قاسم أيضا يكتب الشعر، يرمي يوميا كثير من قصاصات الورق وعليها مقاطع شعرية، يرسلها لأصدقائه، يقرأها في لقاءاته الحميمية..

وانا اسأله عن قرينه الثاني الشعر بعد المسرح، طلب ان يحضروا له ملفا كبيرا هو عبارة عن مجموع كبير من الورق عليه الكثير من الشعر..هذا شعري..جمعته هنا.. لماذا لم تجمعه في ديوان مطبوع؟ سأفعل هذا قريبا..سأسمعك هذا المقطع.. في لحظة علاجي من المرض وصل بي الأمر أنني أصابعي لم تتمكن التقاط حبة الدواء..فكتبت:

(ترتبك الأشياء بين أصابعي

فافقد كل حسي

وافتقد لذة اللمس

تتجمع بين يدي كل مواجعي..)

..كيف تسلل الشعر اليك وانت المنشغل بالفضاء الأسود فوق خشبة المسرح طوال النهار والليل؟

انا ابن بيئة شعرية منذ ان فتحت عيني على الدنيا اول مرة وحولي أفراد البيت فيهم من هو شاعر.. جدتي ام امي شاعرة حسينية تقول وتحفظ الشعر في الحسين، ولا يمر علي يوم الا واسمع منها شعرا، والدي حكواتي مرموق إنسان بسيط، كادح لكنه يحفظ عشرات الأساطير الشعبية، كان يجمع حوله الجيران في ليالي الشتاء الباردة ويروي بصوته الأجش قصص فيها الكثير من الشعر والأحاديث النبوية..

من أني تربيت في وسط بغداد المثقفة، بغداد الرصافي والسياف والجواهري، تقربت منهم وعشت تفاصيلهم حياتهم اليومية، أرى السياب والجواهري يوميا وهما يذهب كل منهما إلى مقاه المحبب.. مقهى البرلمان ومقهى الزهاوي..كنت اتأمل السياب وهو يمشي خارجا من كلية المعلمين ذاهبا إلى مقر صحيفة الحرية التي كان يكتب فيها، أشاهد الجواهري امام باب المعظم.. عشت فيه بيئة شعرية .

وفي زمان الشعراء العظام، والعراق كله شعر في حواريه وشوارعه وأسواقه..في العراق لكل فاكهة تباع أغنية خاصة بها وشعر.. بعد ذلك وحينما كبرت كان حولي شعراء آخرون يوسف الصايغ، عبدالوهاب البياتي، مظفر النواب وعبدالزراق الواحد، كلهم أصدقاء العمر.. الآن اكتب الشعر وقليلا ما انشر، لكني اكتب ولا استطيع التوقف عن الشعر.

ويقول قاسم محمد عن نفسه:

الإنسان والإنسان وحده كان عندي دائما سر وجوهر المسرح، مبدعا كان ام متلقيا للابداع، ان هذا الإنسان ومسرحه الذي اشتغلت عليه طوال نصف قرن هو حالات روحانية وليس مادية، بين عام 1957 وكان عمري آنذاك 21 عاما وبين عام 2007 وأنا في الحادية والسبعين أكون قد قضيت خمسين عاما وخمسة أشهر في العمل المسرحي ويوميا بلا اي انقطاع منذ الضوء الأول للنهار وحتى منتصف الليل أحيانا ثمانية عشر ألفا وأربعمائة يوم من الكدح المفرح والغني السعيد.

المخرج في سطور

* قاسم محمد من مواليد بغداد.

* درس المسرح في قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة ببغداد، درس الإخراج المسرحي بمعهد كيتس في موسكو، مخرج، مدرس مسرح، باحث، دراماتورج وممثل، له اكثر من مائة عرض مسرحي منذ العام 1057 وحتى الآن.

*حاصل على عدد من الجوائز والشهادات التقديرية في العديد من الدول العربية ومنها جائزة أفضل مخرج من مهرجان قرطاج في العام 1987، جائزة أفضل سينوغرافيا من مهرجان قرطاج 1993 ، جائزة تكريم من الملتقى العلمي الأول للمسرح العربي في القاهرة في العام 1994.

* كرمه مهرجان قرطاج في العام 1995، جائزتان من مهرجان أيام الشارقة المسرحية لأفضل فنان عربي.. ومؤخرا كرمته دائرة الثقافة والإعلام بعجمان بجائزة شخصية العام الثقافية.

الدخول للنص الشكسبيري

صدر للمخرج العراقي قاسم محمد الكثير من الكتب في المسرح وحول المسرح ونصوص مسرحية، آخرها صدر في العام 2008 عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ضمن دراسات السلسلة المسرحية بعنوان «اشتغالات بصرية شكسبيرية» في هذا الكتاب يشتغل قاسم محمد على نصوص مثل الملك لير، هاملت، عطيل ولكن بمراوغة وجرأة اكبر على النص الشكسبيري، حيث يذهب إلى النص ليقتنص منه ما يريد ويهيئ له الفضاء الذي يريد ويعيد صياغة العلاقات من جديد.

مرعي الحليان