رشيد بو جدرة روائيٌ وسينمائي وشاعر ومفكِّر صدامي، يرفض أن يتعلَّق الإنسان بأربطة حذائه فلا تتحوَّل شيئاً فشيئاً إلى حبل مشنقته. رشيد بو جدرة في نصوصه الإبداعية على اختلاف جنسها الأدبي والفني؛ يخوض صراع العضوية في سبيل البقاء والحفاظ على الجمال الذي يحفظ لنا الحياة ونحن في أشدِّ سكرات الموت هولاً وقد جاءت هذه الاعترافات على ضفاف قاسيون وذلك في لقاء مفتوح أُقيم في العاصمة السورية دمشق في مبنى جريدة «الثورة».
فقد أكد رشيد بو جدرة مستهلا بالقول: نحن جيلٌ قاومَ الاستعمار بالسلاح، لقد شاركتُ في حرب التحرير الجزائرية، كما قمت بتهريب السلاح إلى الثوَّار من اسبانيا.وأنا كاتب تأثرت بالرواية والأدب الغربي، لكنَّني قبل ذلك كنت قد تأثَّرت بالنصِّ القرآني الكريم، وحكايات ألف ليلة وليلة. كما لا يخفى بوجدرة أنَّه من المعجبين بمواقف جان بول سارتر المؤيِّدة للثورة الجزائرية، ومن المغرمين بروايات ومسرحيات ألبير كامو.لذلك يقول : نحن جيلٌ من الأدباء حاربَ وفي الوقت ذاته عاشَ الاستقلال، لذلك كنَّا منحازين إلى المجتمع؛ إلى الناس وأحلامهم أكثرَ من انحيازنا إلى الأرض، فقمنا بخلخلة كلِّ المفاهيم الجاهزة في الأدب التأسيسي الذي كتبه محمد ديب، ومولود فرعون، إلى كاتب ياسين، من حيث الموضوعات والقضايا التي تناولناها في أدبنا وشكل معالجتها، ولهذا لم نكن معنيين بالبطل الثوري، ولا بالواقعية الاشتراكية- مع أنَّ أبناء جيله من مثل الطاهر وطَّار وعبد الحميد بن هدوقة وقعا في فخِّها- ولا بمسائل الفقر والعدالة على أهمية ذلك.
لقد لعب (الألم) دوراً كبيراً في تكويني كقارئ وكاتب يضيف بو جدرة ، وأنا مهووس بالفن التشكيلي وبالسينما، ولو قرأتم رسومات «غويا» لما وجدتم فيها غير الألم والقرف.كما أنَّه من حقِّ كلِّ مبدعٍ أن يكون نرجسياً بدرجة ما، فثمَّة جرح يعيش معه، لكنَّني قد أفترق عن غيري من الكتَّاب، إذ أعتبر أنَّني نجحت في دمج ثقافة الأنا بالثقافة الخارجية إذا جازت التسمية، فروايتي«ألف عام من الحنين» وهي قراءة في «ألف ليلة وليلة» كتبتها عام 1979، فيها تقاطعُ المثال المطلق للأفكار والأحاسيس الداخلية النفسية بأشياء أخرى تتعلَّق بثقافة الآخر أو الثقافة بشكل عام.
ففي تلك القراءة لألف ليلة وليلة التي في «ألف عام من الحنين» ? الرواية تُرجمت إلى اللغة«الكردية» ، وبذلك تكون رواياته قد تُرجمت إلى أربعة وثلاثين لغة- كان التاريخ العربي والإسلامي حاضراً منذ البداية، ويتابع رشيد بوجدرة «أنا مبهورٌ جداً باستعمال التناص في الكتابة؛ سواءً التناص مع أعمال الآخرين أو مع رواياتي أنا ».
شقَّ رشيد بوجدرة طريقاً جديداً للرواية العربية فلم يخلط الإيديولوجيا- وهو اليساري وعضو جبهة التحرير الوطني الجزائرية- بالإبداع.إذ يقول عن إبداعه وعن اختياره لأبطاله وقد أثارته كلمة «بطل» في اللقاء المفتوح: أوَّلاً ليس في رواياتي أبطال قط، أنا لا أكتب عن الأبطال، أكتب عن شخصيات تتحرَّك في مجرى الحياة.
والناس عموماً ليسوا أبطالاً، هم أشخاص عاديون مثلنا، فيهم الشجاع، وفيهم الجبان، وفيهم الخبيث. وأنا عندما كتبت عن الشيوعية اخترت الناس البسطاء منهم، وقد وظَّفت شخصية خالي وهو شيوعي كان يعمل في السكك الحديدية في إحدى رواياتي. ليس هناك أبطال إنما يمكن أن تكون هناك شخصيةٌ مهمَّة، وأهميتها تأتي في سياق النص والبناء الروائي وتقنياته التي تعكس علاقاتها وتطورها.
في فترة «العشرية» كما يسمُّونها في الجزائر- وهي فترة العنف الدموي الذي مارسه الإرهابيون فقتلوا الأطفال والنساء، ولم يفرقوا بين الشعب والسلطة- هُدِّدَ رشيد بو جدرة بالموت من قِبَلِهِم؛ لكنَّه لم يغادر الجزائر، وأصرَّ على البقاء فيها إنَّما متخفياً، وكان يحمل مسدسه، فيما يحمل معه حبَّة سمٍّ ليبتلعها فيما لو قبض عليه الإرهابيون فلا يبقى بين أيديهم حياً. ولذا قال: أنا ضد المصالحة الوطنية ولست معها، أنا ضد الإرهابيين لقد فشلوا حتى عسكرياً لأنَّهم حاولوا اغتيال الشعب واغتيال المثقَّفين، فلماذا نصالحهم!؟.
رشيد بو جدرة في سطور
*رشيد بو جدرة هو من مواليد عين البيضاء 1940 في الجزائر.
* درَس الفلسفة والرياضيات، وعمل مستشاراً في وزارة الثقافة، وأميناً عام لاتحاد الكتَّاب الجزائريين، وأميناً عاماً لرابطة حقوق الإنسان.
* كاتب إشكالي يتميَّز بالجرأة والصراحة، وقد رفض العديد من المناصب فلا يتحوَّل إلى مثقَّفٍ وظيفي حين طلب منه الرئيس «بن جديد» أن يكون وزيراً للثقافة .
أنور محمد

