شكّل الشعر، ولايزال، الثابت الرئيس في ثقافة العرب عامة وبلاد الرافدين خاصة، فهو الرئة التي يتنفسون منها الإبداع، ليعبروا به عما يجول بأنفسهم من خواطر، إضافة إلى أنه كان أوثق وثيقة لتاريخ الأقوام التي تعايشت في الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين، فأول الاكتشافات الآركيولوجية كانت قد عثرت على الألواح السومرية، ومن بينها كانت «ملحمة كلكامش» وبالخط المسماري، وقد صيغت شعراً، وهي تبحث عن سرّ الخلود للإنسان.
التنقيبات الأثرية عثرت على «الملحمة البابلية» وأيضاً مصاغة شعراً، وهذه الملحمة هي أيضاً تبحث عن الكون والإنسان، على الرغم من أنها غير موزونة، ورمز لها بتسمية:»أنوما ايليش« والتي تعني ترجمتها إلى العربية بـ »حينما في الأعالي« ويزيد عدد أبياتها على ألف بيت، وقد عثر عليها ضمن الألواح السبعة، والتي تشكّل بمجملها »الملحمة البابلية«. وقد تولى ترجمتها إلى اللغات العالمية عالم الآثار المتخصص بالحضارات القديمة وبالآثار البابلية »البروفيسور الكسندر هايدل« وقد صدرت مؤخراً بكتاب له. وقد أشار البروفيسور هايدل، إلى أن هذه الملحمة اكتسبت شكلها النهائي في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وفي عهد الملك البابلي المشهور»حمورابي«، وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذا العمل الفريد في الخصائص الشعرية والإيقاعية والفلسفية التي كانت سائدة في تلك الأزمنة السحيقة من ذلك التاريخ القديم.
ومن الملاحظ على سياقات ثقافة تلك العصور الغابرة أن القصائد الشعرية كانت تنشد إنشاداً، وفي المهرجانات العامة التي تقام سنوياً، وفي مطلع شهر أبريل من كلّ عام، أي وقت الربيع والإنماء والخصب؛ ليمثل حالة انفتاح الروح لما هو جميل ومبهج ومثير للمشاعر وفقاً لما نقرأه نحن من هذا التوقيت بالذات.وهذه الحالة يعبر عنها الإبداع شعراً أكثر منه نثراً، ومن هنا ندرك أهمية الشعر في نفس الإنسان الرافديني، كونه أي الشعر ثابتاً في وجدانه وثقافته، منذ أن بدأ بخط الكلمة بالحرف المسماري. إنّ التعبير عن الروح العراقية في هذه الملحمة هو تعبير عن القلق الكوني عند أؤلئك الأقوام حول »أصول الآلهة، وخلق العالم، والكشف عن الخرافات والأساطير التي هيمنت على النشاط الفكري في العالم القديم، قبل ظهور الأديان السماوية.
وكان الانقطاع الحضاري بين الثقافة السومرية ـ البابلية وبين ثقافة العرب في العصر الجاهلي، لا يكاد يُرى بنحو تسلسلي دقيق، على الرغم من وجوده في الأفق الحضاري ـ التاريخي بوصفهم أي العرب ـ من الأقوام السامية، التي حملت ثقافة المنطقة، ونحن نعتقد أن الثقافة الآرامية، هي الوسيط الثقافي الأبرز الذي ربط بين ثقافة السومريين والبابلييّن والعرب، وصولاً إلى العصر الجاهلي وبداية ظهور الحرف العربي، كبداية لتدوين الثقافة العربية.
وعلى أيّ حال، ظل الشعر هو الهاجس الأبرز في ثقافة العرب في المرحلة الجاهلية حتى أن الباحث في تاريخ تلك المرحلة يستطيع، بسهولة، تعرّف عادات وتقاليد وإرث ونفسية شعوب تلك المنطقة من خلال شعرهم المتروك والمتداول حفظاً وتدويناً، وليس اعتباطاً أن يقول عبدالله بن عباس »الشعر ديوان العرب« لأنّهم سطروا فيه كل خوافي حياتهم وظواهرها؛ لأنه كان بمثابة السجل اليومي لهم ولتاريخهم وعاداتهم وأصولهم وأصالتهم.
وحينما جاء الإسلام، وقويت شوكته، ولاسيما في المرحلة المدنية، كان الشعر قد تصدّى للخصوم شعرياً ـ بالذود عن الرسالة المحمدية، وقد كان شعراء الرسول، يمثلون هذا الجانب وعرف منهم »عبدالله بن رواحة، وحسان بن ثابت وهؤلاء الشعراء أثبتوا قوّة الشعر وفعاليته.
من هنا نلحظ سطوة الشعر ومكانته في الدولة الأموية حتى غدا الشعراء من جلاّس الخليفة ومن أصحاب المكانة عنده، بل أصبح كثير من الخلفاء الأمويين يتعاطونه فناً وأدباً .
وحينما خطت الخلافة العباسية، في أولى خطواتها الحضارية لتفعيل الفكر العربي الإسلامي في المجالات كافة، كان للشعر الحضور الأبرز في هذا النهوض، إذ كان أغلب بني العباس ـ ولاسيما الأوائل منهم ـ ممن يتعاطون الشعر والثقافة والأدب والتاريخ والأنساب، وللشعر في نفوسهم القدح المعلى، على بقية الفنون.
ومن ثم صاحب الشعر فن آخر، يعتمد على الشعر في وجوده هو فن الغناء، حتى أصبحت بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، من أكثر الأمصار الإسلامية شهرة في الأدب والغناء والشعر والموسيقى وبقية فنون الأدب والمعارف الأخرى.
وقد غالى خلفاء بني العباس في احتضان الشعراء والأدباء والمغنين، حتى أنك تستغرب هذا الكم الهائل من الشعراء والأدباء في ذلك الأوان، وقد رصد هذه الظاهرة الثقافية أبو الفرج الأصفهاني بكتابه المهم »الأغاني«.
إنّ سطوة الشعر العراقي في العصر العباسي، على بقية فنون الأدب، جعلت منه ميدان تنافس ثقافي سياسي، تجلى ذلك في نتاج الخلافتين الفاطمية في مصر والأموية في الأندلس في العصور الوسطى، إذ ان الخلافات السياسية مع الدولة العباسية، كان الأدب يظهرها بشكل جلي، وقد نحا شعراء الأندلس منحى تنافسياً مع شعراء العراق، في صنعة الشعر تحديداً، وقبلوا النزال الثقافي، فأبدع الأندلسيون شعر الموشحات، كفارق ثقافي وحضاري، يملي قانونيته الإبداعية على كامل الثقافة العربية الإسلامية، ويؤثر في ثقافة أوروبا فيما بعد من خلال إبداع أهل أسبانيا شعراً جديداً اسمه »شعر التربادور«.
وحينما حلّ الاستعمار البريطاني في أرض الرافدين العراقية بدأ شعراء العراق ينهلون من الثقافة الشعرية الأجنبية الوافدة إليهم مع الاستعمار ولاسيما موجة الحداثة والتطوير، وكان ت. س. أليوت، من المؤثرين في نمط تفكيرهم الشعري بالأساليب المحدثة الجديدة.
ولاسيما قصيدته الشهيرة »الأرض اليباب« وقد شغل هذا الأمر كلّ المبدعين من الشعراء والكتاب والنقاد، فبدأت نزعة التجديد، تخالج فكرهم فولدت قصيدة الشعر الحر على يد الشاعر بدر شاكر السيّاب والشاعرة نازك الملائكة ليحدثا ثورة جديدة في بنية وإيقاع الشعر العربي برمته، وبدأ انتشار هذه الثورة الشعرية من العراق ليمتدّ إلى بقية أنحاء العالم العربي.
القصيدة الرقمية:
ثمة مفارقة غريبة ولافتة للنظر، تمثلت في حياة الإبداع الشعري العراقي، فما أن ظهرت القصيدة الرقمية، كإبداع جديد، في عام 2007، حتى غادرتنا إحدى رائدات الشعر العربي الحر، هي الشاعرة »نازك الملائكة« إذ توفيت في 20ـ 6 ـ 2007، لتنام قريرة العين وهي تشهد ولادة القصيدة الرقمية على الحاسب الالكتروني في الشعر العربي.
بل وفي الشعر العالمي، وعلى يد شاعر عراقي جديد اسمه »مشتاق عباس معن« وكأن القدر أراد أن يعضد موطن الشعر العربي بهذه الولادة الجديدة. بمعنى، أن حالة التناسل الشعري، بكل تجلياتها الإبداعية في العراق تنتقل من مبدع إلى آخر. فما أن يأفل نجم حتى يبزغ نجم آخر، ليحتفظ بهالة الإشعاع، ومن البيئة نفسها!
يبدو أن ولادة القصيدة الرقمية، هي تعبير عن التراكم الثقافي والتطور المعرفي بموازاة حالة النزال الحضارية مع الغرب، الذي بدأ يفرض سطوته الالكترونية على مناحي الحياة كافة، من خلال »الحاسب الالكتروني« كوسيلة معرفية للتعبير عن حالة العصر الراهن، ووجب على المبدعين العرب التعاطي مع »هذه الآلة الرقمية« ذات الشيفرات المتعددة، لأنّ »عالم الالكترونيات« يمثل إيقاع العصر.
وتمثّل المرحلة الالكترونية، في حياة النص الأدبي انتقالاً نوعياً من المشافهة والتدوين إلى »الرقمية« والتدوين الالكتروني. بمعنى أن قانونية التطور أملت ضروراتها على المتلقي العربي لأن يبدع نصاً يوازي ويتفاعل مع »الآخر« الذي أجاد استخدام الالكترونيات ضمن تقنيات الإبداع، كي يكون المعادل الموضوعي للكتابة الإبداعية، متحققاً الكترونياً، وفقاً لسياقاته الجمالية، وهو ما حققه الشاعر مشتاق عباس معن.
والنص الالكتروني هو »النص الذي يتجلّى من خلال جهاز الحاسوب، سواء اتصل بشبكة الانترنت أم لم يتصل«، وبتعبير أوضح، تصف فاطمة البريكي الأدب التفاعلي بأنه هو »النموذج الأدبي المعبر عن العصر الرقمي التكنولوجي خير تعبير، وهو الذي يصلح أن يمثله أمام الأجيال اللاحقة بصفته نتاج هذا العصر وثمرة فكر مبدعيه«.
هنا، نحن في إشكالية جديدة، من حيث الأسلوب والتقنية لبناء القصيدة الرقمية في الحاسوب، بمعنى، هناك قطع حدث مع المشافهة والتدوين اليدوي، إذ ان الأدب التفاعلي يقر بدور كل من المبدع والمتلقي في بناء النص، وينطوي على قدر كبير من الحيوية والحرية في التفاعل مع النصوص الأدبية على نحو غير متوفر في الأدب التقليدي، ويكسر حالة الرتابة التي تصبغ النصوص الأدبية التفكيرية، ويحررها من الجمود، ويساعد على شحذ الأذهان والتحفيز على الابتكار، بما ينتجه من إمكانيات غير محدودة، ليقدم الأديب بها ابداعاً غير محدود أيضاً.
ضمن هذه المحددات التقنية الأدبية الجديدة للشعر، سألت الشاعر مشتاق عباس معن عن الكيفية التي توصل بها لكتابة مشروع قصيدته الرقمية، فأجاب: يعتمد النص التفاعلي ـ الرقمي الأول على تقنية النص المترابط أو النص المتفرّع بحيث تتفرّع الواجهات كتفرّع نوافذ شبكة الانترنت في المواقع المبثوثة في »الشبكة العنكبوتية« واستثمر النص التقنيات المتاحة في العمل الحاسوبي، من مؤثرات صوتية وصورية جرافيكية وكتابية، ناهيك عن سلاسة الانتقال من موضوع إلى آخر، وكل هذه التقنيات تعمل على نقل المتلقي إلى أجواء تشعره بعلامية النص المرسل.
وقد أوضحت ذلك في »بياني«حول الموضوع، والذي أسميته »المجازية الرقمية والخوض في فضاء أزرق«، ثم أضاف: يقدم النص التفاعلي على رؤية متعددة لثيمة واحدة، مستنداً في ذلك على آلية الانتقال بيسر داخل الشاشة، بخلاف صرامة الثبات في النص الورقي، بحيث لا يمكن أن يتفرّع النص إلى نصوص في منفذ واحد، ليكوّن طبقات من الرؤى المنفردة لثيمة واحدة، ناهيك عن تقنية الاستبدال العمودي والأفقي عبر حركة المؤشر الماوس وضغطه على إيقونات الانتقال بالضغط ان هذه الفكرة المتوهجة التي طرحها الشاعر في ذلك البيان.
هي بمثابة ارتكاز أولي تعريفي عن تلك التجربة الفنية، ليمهد نظرياً لتلك الممارسة الإبداعية الجديدة الأولى في العالم العربي، الأمر الذي جلب انتباه النقاد إليه، لاسيما الأستاذ الدكتور علاء جبر محمد، الذي أشار إلى أهمية هذه التجربة بقوله: »لقد طرح الشاعر التفاعلي الرقمي الأول بالعربية مشتاق عباس معن رؤيته في بيان خاص عن تجربته تلك... وأكد ثوابت عمله ومن أهمها: المجازية الرقمية، وهذا لا يعد، بحسب الشاعر مشتاق، نسخاً للواقعية الرقمية.. وإنما هي رصد حي لواقع الإنتاج الشعري.
ان كل مسارات الأدب وقلقه وإشكالاته، هي جزء يومي من حياة الشاعر والناقد والأكاديمي مشتاق عباس معن. وإذا أضفنا إليها الغربة والتنقل في البلدان العربية »طلباً للرزق«، حيث ان وضع العراق الحالي، وما كان عليه في ظل النظام السابق، الذي خنق كل صوت إبداعي، وأبعد كل الطاقات الخلاقة من العراق، وجاء الاحتلال وأجهز على ما تبقى من قيم نوازع الإبداع.
ومع هذا الخراب ظل هاجس الشعر يقلق الجميع، للتعبير عن هذه المأساة المركبة التي حلت بالبلاد، وعلى الرغم من انحسار القصيدة الفصيحة الآن إلاّ أن الشعر العامي في العراق تسيد المشهد، وظهرت قصائد ومعلقات وملاحم شعرية، عبرت عن هذا الواقع المؤلم الحاصل في العراق.
ومشتاق عباس، واحد من هؤلاء المبدعين الذين عبروا عن هذه المأساة، وأصدر أكثر من عمل شعري فصيح، وأراد أن يتخطى هذا الواقع بشيء أكبر من هذا الواقع، فكان ذلك في »القصيدة الرقمية« التي عبر بها كل الحدود، وليثبت أن موطن الشعر في العراق، سيبقى هو آخر القلاع التي يركن إليها في سماوات الإبداع.
احساس المبدع
لم تكن «القصيدة الرقمية» مجرد خاطرة بسيطة طرقت ذهن الشاعر مشتاق عباس معن بل هو القلق المعرفي المتراكم أولاً، وهو إحساس لمبدع يدرك ضرورة تطور هذا الإبداع، وفق دوافع الحضارة المعاصرة، يضاف إلى ذلك مهنية الاشتغال والتعاطي بالأدب واللغة الحاملة لهذا الأدب، وبالتالي المسؤولية الأكاديمية التي يمارسها مشتاق عباس معن بوصفه أستاذاً في أكثر من جامعة ومعهد يضاف إلى ذلك أنه نشأ في بيت فني، فوالده كان يملك صوتاً عذباً.
ومشهوداً له في الغناء، وهذا يعني أن حاسية التلقي عند (الطفل مشتاق) تبرعمت على الاستماع إلى جماليات الصوت والإنشاد، بمعنى أن موسيقى الشعر انغرست في أحاسيسه منذ الطفولة، وتأصلت في الصبا، وأثمرت في الشباب، ومن ثم صقلت في »مسارات الإبداع« كتابات شعرية، محاضرات، أوراق عمل لندوات علمية، مهرجانات ومسابقات أدبية، جوائز إبداعية محفزة، وانخراط في نقابات مهنية للإبداع، زائداً مسؤولية التدريس الأكاديمي للغة والآداب العربية، وبالمحصلة.
د. خيرالله سعيد


