سيكون في وسع أي كان، ممن يتميزون برهافة الحس، مثلما سيكون في وسع أي كان، ممن يستثقلون التفاصيل، التساؤل حول الشعرة، وجدواها الاعتبارية وحدود الدلالة فيها.

ليس للشعرة تلك القيمة التي تستحق عناء الكتابة عنها، وبالتالي، القراءة عنها، وسط كم هائل من الشعر الذي يميزنا، نحن الذكور خصوصاً، ولكن الخلل يتبدى هنا، في هذا التجاهل للشعرة الواحدة، وكيف أنها تختزن، أو قد تختزن عالماً كاملاً ومن نوع مغاير عما هو حسّي.

إن الشعرة رهان الفنان أو المبدع، في الحفاظ على التوازن في داخله، وفي تجميل العالم، وتعميق مفهوم التذوق لما حوله، ولو من خلال الشعرة الواحدة. إن هذه لا تمثل كمَّاً، إنما تحيل مثيلاتها إليها، بالقدر الذي يلعب المجاز المعنوي لعبته، فمن يضحّي بالشعرة الواحدة، كجزء بالكاد يُنظَر فيه، ربما يضحّي بكل الشعر من جهة التقدير.

إن الشعور بالعالم، وتذوقه، والتفاعل مع رحابة أفقه، يكون من خلال رؤية الشعرة تلك، وقد تجلَّت مهتزة ومسكونة بأكثر من سر، مثلما صدى ارتعاشتها يعم المكان، وفي مساحة يصعب تقديرها. الشعرة خط سير المغامر الكوني، كما أنها الحدود الفاصلة بين أكثر الفنانين رهافة إحساس، وبقية العالم من حوله، ليتسنى له استشراف ما لا يتمكن الآخرون من رؤيته قلبياً، والشعرة بخفقها الضمني، هي التي تبقي المفكر، أو الحكيم، في حالة يقظة دائمة، فالشعور بالكوني مسألة اعتراف بالشعرة وهي واهية تماماً.

شعرة هي أول الكسر، وشعرة هي أول خفقة ألم، وشعرة هي لحظة انعطاف في مكاشفة العالم الخفي داخلاً وخارجاً، وشعرة، هي المسافة الروحية بين جوَّاب الآفاق القصية وخالقه الكوني.

عبر الرنين المتخيَّل في الشعرة، ورؤيتها وهي تمتد ملامسة عناصرها: أخواتها وإخوتها الكونيين، وتلمُّس عمق الجمال اللامرئي في نعومتها اللافتة، يكون الإنسان المختلف، فيلسوف البدايات الأولى لاكتشاف روحه الماضية في أداء واجبها كما هي كليتها، قبل حلولها في الجسد الواحد بنوعه، أو حكيم المفارقات حيث عمق الشعرة يوازي تقويماً، مساحة الكون ليس إلا، بما أنها تمارس اختصاراً دون تفريط طبعاً لمقومات الكون، وتشد من أزر أصحاب الإرادات العالية، بالطريقة التي يتمكنون من رؤية ما يروه سابقاً، ما يعجز سواهم عن الشعور به.

تبرز معلمية الشعرة، أو درسها القيمي أو الأخلاقي، في تجاوز الكم الرياضي، إن القدرة في رؤية أي حركة كوكبية دءوب، تتم ودون توقف في الشعرة الواحدة، هي التي تمنحنا ما يمكّننا من تأصيل الوعي المكاني والزماني بصورة أمثل وأرقى، حيث إن العالم الذي نعتبره مفارقاً لنا، من خلال نسبيَّة قوانا الذاتية، ترجمان المعضلة الحقيقية لجل ما نعانيه في منحى علاقاتنا الاجتماعية، وفيما نتخيله عمَّن نتعامل معه، وفي إبداء الاستغراب مما هو عصي على أفهامنا، كما لو أن الأكبر حجماً، يكون حمَّال الصورة الأوضح للحقيقة.

إن العقار بسلبه وإيجابه، يقيم في النهاية الأكثر رفعة ونعومة للشعرة، أي العقار الذي يهبنا العافية، أو يسلبنا إياها! أليس الحديث عن وجود شعرة قائمة، وهي رفيعة جداً، بين الحب والتملك، الفضيلة والرذيلة، الهبة والسلب...الخ، وكما في الإشارة المستمرة في لحظات خلافية حاسمة، إلى (شعرة معاوية) التاريخية، هو الذي يغرينا بضبط قوانا، واننا في إدراك العمق الاعتباري للشعر، نستطيع مكاشفة الجانب من العالم والذي نتوق إلى الإقامة فيه.

حيث الشعرة تمثل أمام ناظرينا، ونحن أكثر توازناً روحياً، وهذا ما يمكن متابعته، واستقصاؤه من خلال النصوص التاريخية، وفي مجالات أدبية وفكرية وفنية، وقد تجاوزت حدودها المحلية والقومية واللغوية، إذ تحتفظ بجماليات الأثر الكبرى بصدد الإنسان، وما يعنيه هذا الكائن مكانة ومسؤولية أخلاقية فيما نقول ونفعل.

إبراهيم محمود