«مهمة التقدميين الاستمرار في ارتكاب الأخطاء، في حين تنحصر مهمة المحافظين في منع تصحيح تلك الأخطاء»، رأي صرح به الأديب والروائي البريطاني الشهير غابرييل كيث شيسترتون عام 1929، وأعرب من خلاله عن رفضه وتشاؤمه من الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها.

دعي شيسترتون الذي ولد في كسينغتون في 29 مايو عام 1874، بلقب «أمير التناقضات» إذ كان يعبر عن فكرته بأقوال وأمثال شائعة ومجازات ليقوم بقلبها إلى بعناية فائقة نقيضها. وكان لغنى فكره كفيلسوف ومفكر وسعة مخيلته ككاتب وشاعر وصحفي، تأثير كبير على كتاب عصره في بداية القرن العشرين. درس في البداية الفن ثم الأدب، وعمل عام 1896 في دار نشر في لندن قبل حصوله على درجة جامعية في أي من التخصصين، إلى جانب عمله كصحفي حر وناقد أدبي، وُطلب منه في عام 1902 أن يكتب عامودا أسبوعيا في صحيفة «ديلي نيوز»، ثم تبعه الطلب ذاته عام 1905 من صحيفة «ذا إلوستريتد لندن نيوز» الذي استمر في كتابته لمدة ثلاثين عاما.

كتب شيسترتون الذي توفي في 14 يونيو 1936 في منزله في لندن، ما يقارب من 800 كتابا وعدد من مئات القصائد و200 قصة قصيرة و4000 مقالة وعدد من المسرحيات. ومن أشهر شخصيات أعماله الأدبية المحقق القس (الأب براون) الذي ظهر في القصص القصيرة فقط، وعلى صعيد الرواية، تعتبر روايته «الرجل الذي كان الخميس» أشهر أعماله. تبدأ الرواية عند الغروب بمناظرة بين شاعرين من لندن، أحدهما غابرييل سيم والآخر لوسيان غريغوري، حيث يمثل محور المناظرة حبكة ومحور العمل. ونظرا لظهور حزب سري هدفه الفوضى والتدمير، تطلب الشرطة من سيم التعاون معها ليقوم بالانضمام إلى فريق الفوضويين والتجسس عليهم ووقف مؤمراتهم.

ومن خلال صديقه غريغوري ينضم إلى الحزب ليتم انتخابه مع صديقه في المجلس الأعلى للفوضويين، الذي يضم سبعة أعضاء يتواصلوا من خلال أسمائهم الحركية لحماية أمنهم وقد اختار لهم الرئيس أسماء أيام الأسبوع، على أن يكون اسمه يوم الأحد. وهكذا بات اسم غابرييل سيم يوم الخميس.

تبدأ التحريات وتجسس الكل على الكل، إذ كان الأعضاء الستة للمجلس الأعلى من البوليس السري دون أن يعرف أحدهم الآخر، وهكذا تبدأ المغامرات، حيث يجمع الرئيس وسكرتيره أنصارهم من الفوضويين لتدمير بعض الأمكنة، وحينما يكتشف سيم - الخميس تلك المؤامرة يبلغ عنها، ويحاول لاحقا مع ثلاثة من الأعضاء الذين يكتشفوا أنهم جميعا من البوليس السري ملاحقة الزعيم. لكن الأحداث تنقلب ليطاردهم الفوضويون بأعدادهم المتزايدة، حيث كاد يفقد الأعضاء وصديقهم الكولونيل الأمل في نجاتهم.

وخلال المطاردات التي تنتقل من الغابات إلى القرى فالضواحي يواجه الأربعة ضغوطات نفسيه هائلة تدفعهم إلى حالات أقرب إلى الجنون أو اليأس، يتجلى من خلالها جوهر قناعاتهم وأفكارهم وصلابة إرادتهم. فمن الجري في الغابة إلى ركوب الخيل في القرية والانتقال إلى السيارة واستخدام المسدسات والسيوف، ليكتشف الأربعة عند مواجهة الموت أن السكرتير الذي يطاردم، لم يكن إلا فردا آخر من البوليس السري، وهكذا ينضم إليهم لمواجهة الرئيس.

ويلتقون في المدينة قبل اجتماعهم به، بالعضو الخامس غوغول الذي تم طرده من المجلس بصفته جاسوس الحكومة. وهكذا يلتقي المجلس، ليهرب الرئيس بعد مواجهته بالحقيقة، وليقوموا بمطاردته حتى يدخل حديقة الحيوانات ليخرج منها على ظهر فيل ضخم ينطلق بأمرته إلى شوارع المدينة، وبعدها المطاردة بالمناطيد الهوائية حيث يتاح للأعضاء الخمسة فرصة تأمل الطبيعة وجمالها وانعكاسات ما تعرضوا له وقناعاتهم الحالية التي اختلفت كليا عما كانت وإن باتت أعمق وأشمل، إلى جانب حيرتهم بشأن الرئيس الهارب الذين لم يستطيعوا أن يكنوا له الكراهية أو يحددوا هويته، فهو على الدوام الجميل القبيح، الطيب الخطير، الوحش البريء، البدين الرشيق.

تصل المطاردة إلى نهايتها حينما ينزل الرئيس من منطاده ويختفي، ليرسل لهم مبعوثه ليصطحبهم بسيارات فارهة إلى قصره لحضور الحفل الكبير. لا يتردد الخمسة في ركوب السيارات. وفي القصر يطلب منهم ارتداء بدلات تتناسب مع معاني ورموز أسماء الأيام التي يحملونها. وفي الحفل يتم استقبالهم بحشد كبير يحتفي بهم ليطلب منهم الجلوس على المنصة التي تضم سبعة كراسي.

يجلس كل من غوغول والدكتور والبروفيسور وسيم وراتكليف والسكرتير لينضم إليهم الرئيس الذي يجلس في الوسط. وبعد طرح أسئلتهم عن هويته، يخرج من الحشد غريغوري الصديق السابق لسيم ويقول لهم أنه الفوضوي الذي يرغب بتدمير كل شيء من حوله لمعاناته وعذابه الذي يعتقد أنه الوحيد الذي تعرض له. وخلال جدال سيم معه يقاطعه الرئيس ويسأله إن كان قد عانى حقا. ثم يتضخم وجه الرئيس إلى حجم هائل ليعم السواد، وليسمع سيم صوتا آت من بعيد يقول «هل تستطيع أن تشرب من الكأس التي شربت منها أنا؟»

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae

الكتاب: الرجل الذي كان الخميس

تأليف: غيلبرت كيث شيسترتون

الناشر: جيه دبليو آروسميث 1908 - لندن

الصفحات: 330 صفحة

The Man Who Was Thursday

G K Chesterton

J W Arrowsmith 1908 - London

330 P.