بدأت الأسماء الجديدة في الشعر تتسرب إلى الحياة الثقافية عبر استضافتها في مهرجانات وندوات وأمسيات، بعدما عاشت على الهامش المهرجاني لعقود وعقود وكأن عالم النجومية كان حكراً على مجموعة من الشعراء الذين يحضرون بثقل أسمائهم قبل ثقل شعرهم، وبعدما كانت الصحافة الثقافية تحتفي بشعراء الصف الأول طيلة خمسين عاماً، هاهي تحتفي بشعراء من أجيال لاحقة كمؤشر طبيعي لدورة الزمن.

لقد احتاجت الذهنية العربية إلى أكثر من نصف قرن لتقر بطبيعة دوران العجلات في الشعر وأن الشعر لن يتوقف يوماً لدى البحتري أو المتنبي أو أبو تمام، بل لولا دوران الزمن لاكتفينا بالمتنبي شاعراً على مر العصور وحولنا قصائده إلى أيقونة في مكتباتنا، تأخرت الذهنية العربية في استيعاب المتغيرات الحاصلة في العالم لتعطي مكاناً لشكل جديد أو لوافد جديد.

ضمن مئة شاعر دعتهم دبي للمشاركة في مهرجانها الدولي الأول للشعر كان نصيب الأسماء الجديدة أكثر من النصف، ليس عربياً فحسب بل حول العالم أيضاً، شعراء من أجيال لاحقة ومن توجهات مختلفة، وكذلك كان مهرجان الشعر العربي الذي أقيم في دمشق بالتعاون مع مؤسسة العويس الثقافية والعاصمة الثقافية، ومن قبل احتفت القاهرة بمرور عشرين عاما على رحيل أمل دنقل عبر أسماء أخذت مكانها إلى جانب الكبار.

لا أحد ينكر دور الآباء المؤسسين للكتابة الشعرية الجديدة، دور يستحق حفاوة امتدت لنصف قرن، وكاد البعض يجعلها أبدية لولا أصوات أخرى اخترقت الصفوف، وقاتلت بقوة لتأخذ مكانها على الخارطة،خارطة الحضور الجماهيري والإعلامي، دون الدعوة لقتل الآباء أو إنكار دورهم، بل العمل على تجاوز الواقع والانتقال بالنص الشعري إلى حقول أخرى تعطيه ما يستحق من الضوء وليترك الحكم للنقاد.

ولأننا «جيل بلا نقاد» أو كتابة لا يواكبها النقد، فقد دخلنا متاهة عميقة من سوء التقدير والفرز، حتى تحولت كل كتابة سقط منها الوزن إلى قصيدة نثر، وكل كتابة نظمية إلى قصيدة عصماء! إن النقد يطور الحياة ويجعل من الفن باباً لمصالحة الزمن، ومن الشعر تحديداً نافذة يطل الإنسان منها على الأمل، وحتى تعود الدماء للتدفق في حياة النقد ستمر مياه كثيرة تحت الجسر، وستظل حياتنا في هذا الجزء من العالم مرهونة للصدفة وليس لقوانين طبيعية يعيشها العالم من حولنا. آن الوقت لحركة نقدية تواكب أجيالاً شعرية بات الاعتراف بها أمراً واقعاً، وها نحن نشهدها في أكثر من مناسبة ومهرجان.

hussain@albayan.ae