مرت ذكرى رحيل بدر شاكر السياب في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي دون أن يتذكره أهل العراق وقد شغل الدنيا حتى بعد رحيله منذ أربعة عقود ونيف.

مات غريباً على سواحل الخليج الذي كتب عنه أجمل القصائد في القرن الماضي في غرفة مطلة على البحر في المستشفى الأميري في الكويت.

حملته سيارة كويتية إلى مثواه الأخير في مقبرة الحسن البصري في الزبير كان يوماً ماطراً، وبارداً.. مقبرة الزبير واحدة من المقابر التاريخية التي يعود تاريخها إلى عصر الخليفة علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والزبير بن العوام، تبعد المقبرة عن البصرة حوالي عشرين كيلومترا.

لم يشيّع أهم شعراء القرن العشرين وأكثرهم شهرة سوى نفر من أصدقائه، كان الشاعر الكويتي علي السبتي في مقدمتهم. لو دخلت مقبرة الحسن البصري، ووصلت إلى ضريحه، تجد قبراً ليس بعيداً عنك، ستعرفه من الأبيات الشعرية التي أُبن بها السياب نفسه في ديوانه الأخير، منزل الأقنان الذي صدر في مارس 1963 أي قبل رحيله بأشهر. وقد حمل شاهد القبر مقطعاً شعرياً يقول فيه : (ياقارئاً كتابي، إبكِ على شبابي، شاهده بين القبور تبكي، تستوقف العابر يا صحابي، غضوا الخطى ولتصمتوا، إن القرون تحكي، في جملة خطت على التراب)

أحمد أمين مدني، شاعر الإمارات الذي توفاه الله أيضاً في ديسمبر من عام 1995، كان صديقاً للسياب، وقد كتب عنه قبل وفاته، مسجلاً أول لقاء به كان في مكتبة متواضعة في البصرة، يلتقي بها الأدباء والشعراء لصاحبها شاعر أسمه هشام الجواهر، وقد زامل مدني السياب بعد لقائه الأول عام 1949، وامتدت الزمالة إلى جامعة بغداد حيث كان السياب في دار المعلمين العالية، وأحمد أمين مدني في كلية الشريعة، كان يتردد عليه في بيته، أو في مجالسه حيث يقرأ الشعر، وكانت بغداد والبصرة يومها تزخران بالإبداع والمبدعين من عمالقة الأدب والشعر.

مات السياب فقيراً، منفياً، وغريباً، عن وطنه ومنزله الذي لا يبعد إلا حوالي خمسين كيلومترا عن سريره في المستشفى الأميري في الكويت التي احتضنته. نعم.. كان أصدقاء السياب يحاولون تقديم المساعدة المالية له، إلا أنه كان كريم النفس، عفيفاً، وكان يعتذر، ويدعي أن لديه مالاً، وهو العاطل منذ سنوات.

لم يبق في مدينته إلا شاهد قبره في الزبير، وتمثاله عند تخوم شط العرب، الذي ولد على شاطئه عام 1926، وانتقل إلى رحمة ربه عام 1964 عند تخوم البحر في الكويت، حيث سجل هناك واحدة من أجمل القصائد التي قيلت في القرن العشرين:

الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام

حتى الظلام ـ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه.. متى أنام

فأحس أن على الوسادة

من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق

abdulelah_q@hotmail.com