يعود برونو فوليني وفريقه في كتاب «البحث في أسرار الشرطة» في البحث والتنقيب في أرشيف محافظة الشرطة الباريسية للكشف عن «أربعة قرون من التاريخ والجريمة».

وتتم الإشارة منذ البداية أن هذه هي المرّة الأولى التي تسمح فيها السلطات المسؤولة عن محافظة شرطة باريس لأي باحث خارجي الولوج إلى أسرارها والتنقيب في أرشيفها بكل حرية، واختيار ما يريد من مواضيع ووثائق. هكذا يجد القارئ أمامه كما كبيرا من الملفات الخاصة بقضايا كانت قد أثارت أيام حدوثها ضجة كبيرة بل وكان لبعضها عواقب لا تزال آثارها قائمة حتى الآن. وذلك منذ اغتيال هنري الرابع عام 1610 وحتى أحداث مايو 1968، المعروفة بثورة الطلبة في باريس.

يتعامل الكتاب بالتحليل لكل الوثائق ومحاضر التحقيق والنصوص التي كان رجال الشرطة قد حرروها في توصيف الأحداث الكبرى و«الصغرى»، وأيضا حول الأشخاص لاسيما مشاهير عالم السياسة والفن والأدب. هكذا يتم الكشف عن الكثير من «أسرار» أسماء مثل بيكاسو ورامبو وفكتور هوغو وفرلين وغيرهم. وهناك العديد من صفحات هذا الكتاب تخص فترات حسّاسة من تاريخ فرنسا وليس أقلّها «الحرب الجزائرية» التي استمرّت ما بين عام 1954 وحتى عام 1962 والإعلان عن استقلال الجزائر بعد 133 سنة من الاستعمار.

الحدث الكبير الذي تنطلق منه تحليلات هذا الكتاب يعود إلى عام 1610، وتحديدا إلى يوم الجمعة بتاريخ 14 مايو من تلك السنة. في ذلك اليوم وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر غادر الملك هنري الرابع قصر اللوفر لزيارة أحد أركان حكمه «سوللي». وعندما كانت العربة الملكية في شارع صغير وكان الحرس بعيدين عنه قليلا فتح المدعو «رافاياك» باب العربة ووجه للملك ثلاث طعنات أردته قتيلا في الحال. بقي القاتل مسمّرا بالقرب من العربة ولم يحاول الهرب حتى ألقت الشرطة القبض عليه، وقامت بحمايته من الجمهور.

فماذا فعلت الشرطة؟

لم يكن هناك آنذاك جهاز مستقلّ للشرطة ولكنها كانت تابعة للقضاء. وتدل الوثائق المتوفرة أن اسم «رافاياك» وجد مكانه في السجلات الرسمية، كمتهم بقتل الملك، اعتبارا من تاريخ 16 مايو. كما تشير وثيقة جرى العثور عليها في أراشيف محافظة شرطة العاصمة الفرنسية بعد أن نجت من الحرائق التي أثارتها «كومونة باريس» عام 1871.

ومن بين الملفات «الساخنة»، هناك خمسين ملفا لفتت انتباه برونو فوليني وفريقه البالغ عدده حوالي 47 باحثا قاموا بـ «تحرير» محتويات كل ملف لتقديمه للقرّاء ولتوصيف السياق الاجتماعي والسياسي الذي واكبه. وهكذا تتم الإشارة إلى أنه في عام 1616، عام اغتيال هنري الرابع، كان عدد سكان باريس نصف مليون نسمة من بينهم 000 30 من المارقين والهامشيين الذين كانوا يعيشون في المخابئ.

وبتاريخ 15 مارس 1667، أنشأ لويس الرابع عشر، بطلب من «كولبير»، أحد أكبر رجال السياسة الفرنسيين في التاريخ الفرنسي كله، إدارة خاصة بالشرطة القضائية وجرى تحديد مهمتها بـ «تأمين الراحة العامّة وتنقية المدينة مما يمكن أن يسبب الفوضى فيها وتأمين وفرة السلع وضمان عيش كل فرد تبعا لمستواه وحسب إمكانياته».

وتشير المعلومات المقدّمة أن الضابط المكلّف المدعو «لوريني» حقق 25 سنة من الاستقرار العام في المدينة «باريس» على رأس 55 من المحققين في مختلف الأحياء ونصب 2736 مصباح في الشوارع وزوّد جهازه بعدد من المكلّفين باستطلاع آراء الجمهور وأصدر الأوامر بمنع إلقاء الفضلات في الشوارع أو في نهر «السين» ونظّم عملية توزيع الخبز ومنع المضاربات. باختصار «أصبحت باريس أكثر أمانا وأكثر نظافة».

وغدت باريس آنذاك «موديلا» لعمل أجهزة الشرطة في المدن الأوروبية الأخرى، رغم أن الباريسيين أنفسهم كانوا يشعرون بالضيق من التطبيق الصارم الذي مارسته الشرطة تنفيذا للأوامر الملكية الصادرة. وتدل المعلومات المقدّمة على أن سجناء «الباستيل» كانوا يتلقون عشية الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 معاملة حسنة على صعيد التغذية والرعاية الصحية.

محافظة الشرطة

بعد الثورة أصبحت «مصالح الشرطة» تابعة للبلديات مع وجود «مكتب مركزي» لتنسيق نشاطاتها. وفي عام 1800 حوّل نابليون بونابرت ذلك المكتب إلى «محافظة الشرطة». وتوزعت صلاحيتها بين ثلاثة أقسام: قسم الشرطة السياسية المختص برصد «المؤامرات والتفجيرات والاستخبارات والدعارة والصحافة والطباعة»، والقسم الجنائي: «الاغتيالات والسرقة والتسوّل وتعقّب الفارين، الخ»، وأخيرا القسم البلدي «للتنظيم العمراني والتموين، الخ».

المؤلف في سطور

يحمل برونو فوليني شهادة الدراسات العليا بالعلوم السياسية ويعمل منذ عام 1996 في الجمعية الوطنية الفرنسية حيث كان لتسع سنوات محررا لمحاضر الجلسات. وهو مؤرخ قدّم كتبا عديدة منها «الدولة هي أنا» و«فكتور هوغو... رئيسا» و«شرطة الكتّاب»، الخ.

الكتاب: البحث في أسرار الشرطة

تأليف: برونو فوليني وآخرون

الناشر: ليكونوكلاست - باريس 2008

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

Dans les secrets de la police

Bruno Fuligni et

LIconoclaste - Paris- 2008

336 P.