يحاول المؤلفان آن بوكيل واتيين كيرن في كتابهما «تاريخ ضغائن الكتاب» الكشف عن الوجه الآخر لعالم الكتّاب والأدباء والمبدعين عامة. الوجه «القاتم» لأولئك الذين سمت أعمالهم في عالم الإبداع بينما دخلوا هم في مماحكات، و«مهاترات» أحيانا وصلت إلى حدود «الشتائم». بهذا المعنى يشكل الكتاب نوعا من نشر «الغسيل القذر» في عالم الكتّاب، كما عبّر أحد النقّاد الفرنسيين.
بعض «العيّنات» التي نرى منها على طول صفحات الكتاب تشير إلى المستوى «المتردّي» الذي وصلت إليه آراء الكتاب فيما يخص أبناء «كارهم». يقول فكتور هوغو عن «سانت بوف»، أشهر ناقد أدبي في عصره: «لم يعد سانت بوف» وإنما «سانت باف»، وما يعني أنه أصبح الذي لا يقول سوى ثرثرات «يسيل لعابه». تجدر الإشارة إلى أن هوغو كان قد كال المديح في البداية لسانت بوف. هذا الأخير لم يكن من جهة حليما بفكتور هوغو إذ قال عنه: «لديه شيء من العظمة ولكن شيئا أيضاً من التفاهة».
ومما ينقله المؤلفان قول لويس أراغون، الشاعر الفرنسي المعروف، عن اندريه جيد، الروائي وصاحب الرواية الشهيرة الغذاء الأرضي «أنه ليس مهرجا ولكنه مثير للإزعاج». ويقول جيد عن سارتر: «بعد حركة الدادا الشهيرة في الرسم تأتي حركة الكاكا»، بما تدل على كلمة «كاكا» في لغة الأطفال. ويقول سيللين، أحد أشهر الروائيين الفرنسيين في القرن العشرين والذي يتم النظر إليه كأحد الذين هادنوا، إن لم يكونوا قد تواطأوا مع الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية ما مفاده «بترجمة مخففة»: «أيها القذر الصغير، لقد خرجت من (...) كي تلطخني من الخارج». وما يتم نقله عن الرسام سلفادور دالي بحقّ مارسيل بروست أشدّ وأنكى.
هذا «غيض من فيض»، كما يقال، لما وجهه كتّاب ومبدعون لكتّاب ومبدعين، وينقله مؤلفا هذا العمل. ويبدأن بنقاش مفهوم «الضغينة» نفسه. إنهما يشيران إلى ما قاله جان كوكتو، الكاتب المسرحي المعروف، في عمله الذي يحمل عنوان «يوميات رجل مغمور» وطالب فيه بـ «عدم الضغينة سوى على الضغينة نفسها». وكان الفيلسوف سبينوزا قد عرّف «الضغينة» أنها «انتقال مثير للحزن» من مكانة أكبر إلى مكانة أدنى. ويتم في هذا السياق طرح السؤال التالي: لكن ماذا يبقى من جينيه وسيللين وسان سيمون إذا تمّ حرمانهم من «سوط الضغينة»؟ وهذا على أساس أن مثل هذا الشعور بـ «صيغته الصافية» قد يكون المعين الثري لكتابة رواية أو عمل إبداعي تراجيدي.
وسؤال آخر: «هل ضغينة الكتّاب هي شيء آخر غير ما هي لدى الآخرين؟».يقول المؤلفان في معرض الإجابة أنه ليس هناك مشاعر أكثر «كونية» من الضغينة. بالتالي ليس هناك أي مبرر «منطقي» كي يكون الكتّاب والمبدعون بمنجاة منها. الحب عابر أما الضغينة أو الكره فباقيان، بل قد يمكن توارث مشاعرهما عبر الأجيال. بكل الحالات يتم التأكيد على أن الضغينة تكون دائما أكبر وأعمق بين «ذوي القربى» بالمعنى الأوسع للكلمة بحيث يتراوح من العائلة إلى الحزب السياسي. ثم إن من سمات البشر البحث عن السمو ورفعة المكانة، ورجال الكتابة والفكر والإبداع هم في طليعة المؤهلين لارتقاء سلّم «مراتب الرفعة». من هنا تغدو المنافسة مطروحة.
أما السبب الأساسي للضغينة بين الكتّاب فتتم إعادته في أغلب الأحيان إلى «الكبرياء الجريحة». ويحدد المؤلفان رمزين لمثل هذه المشاعر هما شاتوبريان وفكتور هوغو اللذين يتم وصفهما بـ «الطاووسين». لكن هذا لم يكن يقتصر عليهما، إذ يرى المؤلفان أن آخرين «أكثر لطفا» مثل مالارميه وفيرلين وفينيي لم يكونوا بعيدين تماما عن تلك «النقيصة». لكن مونتسكيو لم يكن يرى بذلك «نقيصة» وإنما على العكس نوعا من «التفرّد» الوطني الفرنسي. هكذا نقرأ في كتابه «رسائل فارسية-أعجمية» أن ملك فرنسا كان أكثر ثراء من ملك اسبانيا لأنه كان يغرف من كنز لا نضوب له هو «كبرياء رعاياه».
ومن الظواهر التي يتم التأكيد عليها هو أن الضغينة تتجه بعمق أكبر حيال أولئك الذيم أحببناهم بعمق أكبر أيضا. وذلك تعبيرا عن «غضبة القلب». هكذا كانت الشتائم التي وجهها «فلوبير»، مؤلف «مدام بوفاري» أو تلقّاها كانت على، أو من، أولئك المقرّبين منه في فترة ما من حياته. ويؤكد المؤلفان أن تفحّص المشاكل و«النزعات» التي قامت بين أهل الكتابة والإبداع يؤدي إلى البرهان على أن «الكبرياء المثلومة» كانت في أساسها. ثم «إن الصقور تنهش بعضها أحيانا مثل العصافير الصغيرة».
ومن الملفت للانتباه أن آن بوكيل واتيين كيرن ينقّبان في «تفاصيل» سير حياة مبدعي فرنسا الكبار وفي أسرارهم الخاصة، وفي قصاصات صحف الفترة ومختلف مطبوعاتها ليخرجا بما عرفته «المعارك الداخلية» لمبدعين ملأت شهرتهم آفاق العالم..
العصر الذهبي
يرى آن بوكيل واتيين كيرن أن القرن التاسع كان العصر الذهبي في فرنسا بالنسبة لأهل الكتابة والإبداع. بنفس الوقت «شكّل التنافس والانتقاد والقيل والقال والازدراء والتجريح جزءً من مهنتهم»؛ هذا ولو كان اسم المعنيين هو بودلير أو فكتور هوغو أو الكسندر دوماس أو سانت بوف أو غير هذا من «نجوم» الإبداع. فهؤلاء الذين عرفوا كيف يحرّكون المشاعر عرفوا أيضاً كيف «يلسعون» مشاعر أقرانهم.
المؤلفان في سطور
أنجز آن بوكيل واتيين كيرن دراستهما في مدرسة المعلمين العليا بباريس التي تخرّج منها كبار مفكري فرنسا. وهما مجازان في ميدان الأدب حيث تعمل آن بوكيل أستاذة في جامعة باريس الخامسة، وهي مختصّة تحديدا بالشعر أثناء الحقبة النابليونية 1815-1848. أما اتيين كيرن فهو أستاذ للأدب في جامعة باريس العاشرة «نانتير»، والمؤلفان شابان في الخامسة والعشرين من العمر.
«رابطة» الضغينة
تتمثّل إحدى النتائج التي يتوصل إليها آن بوكيل واتيين كيرن بالقول أن الرغبات الجامحة وأشكال الحرمان والنميمة التي تفرّق بين الكتّاب تشكّل بينهم أيضاً رابطة أكثر صلابة من الحب أو الصداقة. ويُنقل عن الروائي الروسي الكبير تشيخوف قوله: «لا شيء يوحّد أكثر من الضغينة، لا الحب ولا الصداقة ولا الإعجاب».
الكتاب: تاريخ ضغائن الكتّاب من شاتوبريان إلى بروست
تأليف: آن بوكيل، اتيين كيرن
الناشر: فلاماريون- باريس- 2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Une histoire des haines décrivains
Anne Boquel, Etienne Kern
Flammarion - Paris- 2009
336 P.
