بعد كتاب «ما بعد الحرب، تاريخ أوروبا منذ عام 1945» الذي نال شهرة عالمية، يقوم المؤرخ البريطاني توني جوت، في كتابه الجديد بـ «إعادات نظر» أو «إعادات تقييم» عن القرن الماضي، «القرن العشرين، المنسي».

إنه يعود إلى ما يشبه «إعادة كتابة تاريخ القرن العشرين وما يعنيه مساره السياسي في منظور أحداث العالم اليوم». لكنها «إعادة كتابة التاريخ» من «منظور إنساني» أيضا، كما تقول الكلمات الموجودة على ظهر صفحة غلاف الكتاب الأخيرة. وإذا كان المؤلف يولي أهمية كبيرة للمسار السياسي الذي عرفته أوروبا والعالم خلال القرن العشرين، فإن اهتمامه الأكبر ينصبّ بصيغة ما على «التاريخ الثقافي»، ذلك على شاكلة ما كان قد فعله في كتابه «الماضي غير المكتمل»، أو «الماضي الناقص» عندما ناقش أفكار النخب الثقافية الأوروبية من خلال بعض رموزها من أمثال الكاتب ألبير كامو أو المفكر والفيلسوف ريمون آرون.

ويعيد جوت تقييم ما يعتبره مآسي القرن العشرين في أوروبا حيث يعتبر أن الفترة الأكثر قتامة والأكثر توترا في القارة القديمة كانت تلك التي استمرت حوالي أربعة عقود من الزمن، منذ نشوب الحرب العالمية الأولى، «الحرب الكبرى»، كما يطلقون عليها، وحتى وفاة جوزيف ستالين عام 1953. ويتم التوقف طويلا عند مآسي الحرب العالمية الثانية 1939-1945.

أما المادة الأساسية التي يتم الاعتماد عليها في التحليلات المقدّمة فتتمثل في كتابات مثقفين ومفكرين من أمثل «حنة ارنت» التي يعبر المؤلف عن إعجابه الكبير بمساهماتها خاصة في بحثها الخاص بـ «أصول التوتاليتارية». كذلك يؤكد جوت على أهمية الأعمال التي قدّمها المؤرخ البريطاني الشهير الآخر «اريك هوبسباوم» الذي حافظ على «التزامه» بالتاريخ كما كتبه البشر وليس كما حاولت «النوادي» الفكرية الرسمية صياغته.

كذلك يتوقف المؤلف طويلا أمام «ظاهرة» برزت مؤخرا في القارة الأوروبية «القديمة» ويحددها بنوع من «الحنين إلى الماضي»، بل والبحث عن تمجيد «المحطات المضيئة» في هذا الماضي والعمل على «إحياء ذكراها». وهذا ما يطلق المؤلف عليه تسمية «صناعة التراث». مثل هذه الموجة يجدها في العديد من الكتابات والأعمال الفنية، خاصة السينمائية والمثال الأكثر أهمية بهذا الصدد يجده في المجلّدات السبعة لـ «أمكنة الذاكرة». وهذا عمل جماعي أشرف عليه المؤرخ الفرنسي «بيير نورا» تحت عنوان عريض هو «إحياء الذاكرة الوطنية».

ويصدر المؤلف أحكاما قاسية جدا على رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عبر التأكيد على أن النهج «الاجتماعي ـ الديمقراطي» الذي سلكه تحت عنوان «الطريق الثالث» الواقع «في الوسط» بين الرأسمالية والاشتراكية كان سلبيا بمجمله. ويرى أن المسلب الكبير لفترة توني بلير هو ما ألحقته من أذى بالنسبة للطبقات الأكثر حاجة في المجتمع البريطاني بينما ذهبت أكبر الفوائد إلى الشرائح الأكثر ثراء. ولم يكن مسار الحكومات العمالية في بريطانيا خلال سنوات الستينات والسبعينات أفضل بكثير، حسب رأي المؤلف الذي يجد بعض «النقاط الإيجابية «لدى مرغريت تاتشر بالقياس إلى «تلميذها غير النجيب» توني بلير.

ويتمثل أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب بالبحث فيما يسميه المؤلف بـ «الموت الغريب لليبرالية الأميركية». وهذا ما تبدّى بشكل خاص، حسب رأي المؤلف، بالضحالة الكبيرة، إن لم يكن بالعقم الذي أظهرته الطبقة المثقفة الليبرالية في أميركا حيال الأوضاع في «العراق وما قيل في عدد من التقارير عن هجوم محتمل على إيران». ويتم في هذا السياق تحديد مصدر الخشية الأكبر في طريقة تفكير «الصقور من الليبراليين» الذين لم يعودوا يرون سوى ما يرغبون رؤيته مهما ابتعد ذلك عن الواقع. وهؤلاء «الصقور» تمّت ترجمة أفكارهم في «السياسة الخارجية لإدارة جورج دبليو بوش».

وعن العلاقة الأوروبية ـ الأميركية يرى المؤلف أن «المقاربة الأوروبية» لهذه العلاقة لا تزال تتسم بقدر كبير من عدم النضج، من الناحية الأوروبية تحديدا. فمن جهة، يُطلب من الأميركيين «التعاطف» مع أوروبا ولكن يتم نعتهم بنفس الوقت أنهم «عديمو الثقافة ودون أي عمق تاريخي». ويحمّل المؤلف مسؤولية الموقف الأوروبي إلى المبالغة في الحنين إلى الماضي وإلى التعلق بالجذور إلى درجة أن «أوروبا هي ضحية أصولها»، كما يقول. وبالإجمال يمثل هذا الكتاب تأريخا للقرن العشرين الأوروبي خاصة، والعالمي عامة و«إعادات نظر بمواقف مثقفين كبار حيال قضايا العالم خلال ذلك القرن «المنسي».

تمجيد التراث الوطني

لا يرى توني جوت الكثير من «الأعمال المجيدة» التي عرفها التاريخ الفرنسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هذا رغم الجهود الكبيرة التي بذلها الجنرال شارل ديغول من أجل إعطاء نفحة جديدة من الرفعة والمجد للتاريخ الفرنسي. لكنه بالمقابل لا يتردد في الحديث عن وجود نوع من «الفانتازيا» في تمجيد «التراث الوطني» البريطاني عبر الحديث طويلا عن «مناجم القرى سابقا» أو عن خطوط السكك الحديدية.

المؤلف في سطور

توني جوت، مؤرخ بريطاني أنجز دراساته في جامعة كامبردج. يدير مركزا للأبحاث في نيويورك ويعمل أستاذا في جامعتها. له عشرات المؤلفات من بينها كتاب: «ما بعد الحرب: تاريخ أوروبا منذ عام 1945» الذي نال جائزة الكتاب الأوروبي لعام 2008». وكانت «البيان» قد قدّمته لقرائها. ومن كتبه أيضا: «من اوسلو إلى العراق» بالاشتراك مع ادوار سعيد وبول شيلما، و«سياسة بابل: من الأحادية اللغوية إلى تعددية الشعوب» و«ماضي غير مكتمل»، الخ.

الكتاب: إعادات نظر تأملات في القرن العشرين المنسي

تأليف: توني جوت

الناشر: بنغوان برس ـ لندن ـ 2008

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط

Reappraisals: reflection on the forgotten twentieth century

Tony Judt

Penguin Press - London- 2008

448 P.