لماذا وصلت أمور العالم إلى ما وصلت إليه من حالة التأزم المالي التي انطلقت شرارتها الأولى من الولايات المتحدة الأميركية قبل عدة أشهر؟ هذا هو السؤال الذي يحاول فيه الباحث والباحث الاقتصادي والإستراتيجي جاك اتالي الإجابة عنه في كتابه «الأزمة، وماذا بعد»؟

ينطلق المؤلف في تحليلاته من القول إن مظاهر كثيرة كانت تدل قبل الأزمة على أن العالم كان «على ما يرام» ذلك أن النمو الاقتصادي لم يكن في أي يوم من الأيام أسرع مما كان عليه. ذلك ما كانت تقوله الأرقام. بل وكانت هناك مؤشرات عديدة تدل على أن ذلك النمو كان مرشحا للاستمرار على مستوى العالم كله بعد أن كانت عدة مئات الملايين قد تجاوز مستوى «ما دون عتبة الفقر». وكان يساعد على ذلك «التفاؤل» وجود «وفورات كبيرة» وواقع التقدم التكنولوجي الكبير الحاصل والآفاق المستقبلية الواعدة بمزيد من التقدم.

تلك المقدمات «المتفائلة» لم تؤد إلى النتائج المرتقبة، بل على العكس وجد العالم نفسه أمام حالة انحسار على المستوى الكوني هو الأخطر من نوعه منذ حوالي 90 سنة، وتحديدا منذ «الكساد الكبير» الذي عرفه العالم الرأسمالي» اعتبارا من عام 1929 ولعدة سنوات تالية.

فلماذا لم ير أحد ذلك الإعصار (تسونامي) المالي القادم؟ ثم إلى أين يمكن أن تذهب الأمور؟ ويشرح جاك اتالي أوّلا بأول الملامح الأولى للأزمة التي بدأت من الولايات المتحدة الأميركية وتحديدا من كاليفورنيا وفلوريدا حيث كانت أعداد كبيرة من الأسر ذات الدخل المتواضع قد حصلت على قروض بسعر فائدة متصاعد وصل إلى حد أن الأسر المعنية وجدت نفسها عاجزة عن دفع المستحقات عليها.

إن المؤلف ومن خلال تحليلات ذات طابع تقني اقتصادي لسوق الاقتراض الأميركي وتقنيات «تحويل القروض إلى منتوجات مالية»، وتحليل نظام «الضمانات» السائد في آليات منح القروض وتسديدها يصل إلى نتيجة مفادها أن هناك أزمة «بنيوية» في المجتمع الأميركي وهذا ما أدّى إلى تفجّر الأزمة المالية. نقرأ: «إن هذه الأزمة المالية الأولى للعولمة يمكن تفسيرها إلى حد كبير بعدم كفاءة المجتمع الأميركي على تقديم مرتبات وأجور ملائمة للطبقات الوسطى».

ويتمثل أحد الأبعاد الرئيسية لنقصان «الكفاءة» في كون أن الاقتصاد الأميركي لا يقوم على أسس وقواعد لها ركائزها في الواقع الاقتصادي، أو في «الاقتصاد الحقيقي» القائم على الإنتاج والمردود الإنتاجي مما يمكن أن يؤمّن دورة استهلاك حسب المعايير الرأسمالية نفسها. لكن الذي حصل هو أنه قد أُستعيض عن الاقتصاد الواقعي بـ «اقتصاد افتراضي» على أساس تكديس «ثروات افتراضية» هي الأخرى حول «عالم الاقتراض» وما يتفرّع منه وحوله من «مشتقات» وما يترتب على مقولة إن «المال ينتج المال». وهذا ما يتم التعبير عنه بـ «الرأسمالية المالية».

ويحمّل المؤلف في هذا السياق مسؤوليات كبيرة لواقع «التفاوت الكبير» في الدخل وفي الاستفادة من ثمرات النمو الاقتصادي الكبير خلال العقود الأخيرة. ويرى أن مثل هذا «التفاوت» ترتبت عليه «مظالم» كثيرة حيال السواد الأعظم من الناس بينما كدّست فئة قليلة جدا أرباحا طائلة. هذه الفئة الضئيلة يمثّلها بامتياز القائمون على البنوك والعاملون في قطاع المضاربات. والنتيجة هي أن «المصرفيين صادروا لحسابهم في إطار الشرعية وبعيدا عن العنف جزء من ثروات العالم».

وفيما هو أبعد من «تكرار» الحديث حول تضخّم القروض في الولايات المتحدة وبريطانيا وأغلبية الدول الصناعية، كما فعل كُثر، يرى جاك اتالي أن الأزمة لها «بعد اجتماعي». وبالتالي لا تقع المسؤولية على «رجال المال» فقط ولكن هناك مسؤولين آخرين في مقدمتهم أولئك الذين صوّروا المستقبل «ورديا» والازدهار أبديا وأسعار العقارات في تزايد مستمر. وساهم ذلك، حسب التحليلات المقدّمة، في دفع الجميع إلى المبالغة في الاقتراض. ذلك المنطق أدّى إلى تكوّن «رأسمالية انتحارية».

وكيف الخروج؟

كتاب يشرح مؤلفه بأكبر قدر من البساطة خفايا الأزمة المالية العالمية الراهنة مع اقتراحات كي لا تتحول الأزمة إلى كارثة.

قواسم مشتركة

يرى جاك اتالي أن الأزمة الماضية ـ 1929 ـ والأزمة الحالية ـ 2008 ـ بينهما الكثير من القواسم المشتركة، رغم أن ظاهر الأمور لا يوحي بكثير من أوجه التشابه سوى أن الكثير من الأسر الأميركية وجدت نفسها عاجزة عن تسديد القروض التي كانت قد حصلت عليها من أجل شراء مساكن.

المؤلف في سطور

جاك اتالي، رجل اقتصاد وسياسة وروائي وكاتب مسرحي فرنسي. عمل لسنوات مستشارا للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، وترأس البنك الأوروبي للتنمية. له العديد من الكتب في مختلف المشارب من بينها «1492» عن اكتشاف القارة الأميركية «العالم الجديد» و«تاريخ مختصر للمستقبل».

الكتاب: الأزمة وماذا بعد؟

تأليف: جاك اتالي

الناشر: فايار ـ باريس 2008

الصفحات: 209 صفحة

القطع: الصغير

La crise et après

Jacques Attali

Fayard - Paris- 2008

209 P.