يبحث جيفري الكسندرو كينيت تومبسون في كتابهما «مقدمة معاصرة لعلم الاجتماع ثقافة ومجتمع بطور التحّول» مستجدّات هذا العلم على ضوء التطورات التي عرفها نمط الحياة الأميركية المعاصرة في فترة «ما بعد الحداثة»، كما يتم توصيف المرحلة الحالية من تقدّم المجتمعات الصناعية. ويرى المؤلفان بداية أن الثقافة تحتل اليوم مكانة مركزية من أجل فهم المشاكل المطروحة على العالم تحت ظل ما عُبّر عنه البعض بأفق صدام الحضارات، وبكل الأحوال في سياق عالم لا يبدو أفقه واضحا.

يبدأ الكتاب بتساؤل يخص العلاقة بين ما هو فردي وما هو اجتماعي في الموضوع المطروح. حيث يحاول المؤلفان الإجابة عن سؤال: «ما هو الجديد في مجتمعات اليوم»؟ ذلك على أساس أنه من المطلوب أولا فهم «العالم الاجتماعي» المعاصر. وعلى ضوء إيجاد تعريفات محدّدة لمفاهيم يتم استخدامها كثيرا في ميدان علم الاجتماع لكنها لا تزال غائمة كثيرا من حيث مدلولاتها مثل «ما بعد الحداثة» و«النسبية» و«مناهج البحث الحديثة». ويتحدث جيفري الكسندر، كينيت تومبسون في هذا السياق عن تطور العلاقات بين الرجل والمرأة وصولا إلى «الزواج» وتشكيل أسرة كخلية اجتماعية أولى وكتتويج لمسيرة تعميم «القواعد» الاجتماعية الضابطة لسلوك الأفراد. وضمن مثل هذا السياق من التطور ظهر نوع من التنافس بين «قوى التغيير» و«القوى المحافظة». هذه «القوى المحافظة» كانت في حقبة سابقة وسياق سابق هي نفسها «قوى التغيير» بالقياس إلى ما كان سائدا قبلها.

لكن بروز أشكال عدم المساواة والتباين في المكانة الاجتماعية وما ترتب على ذلك من «تراتبية» تكرّس تلك «اللامساواة» وتعطيها نوعا من الشرعية، أدّى إلى نوع من «الحركية الاجتماعية» على قاعدة التمايز بين الطبقات والشرائح. وبرزت في نفس السياق أيضاً مسائل «الانتماء الاثني» ومفهوم «الأقلية» و«الأكثرية». وقد عرف المجتمع الأميركي في ذلك السياق نقاشات كبيرة وحامية بين شرائح قمة الهرم الاجتماعي والمجموعات الأكثر بؤسا التي تكوّنت على أساس عرقي.

تلك النقاشات، مضافة إلى «وعي» الشرائح الدنيا في تراتبية السلّم الاجتماعي، تطورت إلى «الجنوح» و«ممارسة العنف» في إطار مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة. وهذا ما كان له انعكاساته على عالم المؤسسات، خاصة في ميداني العمل والاقتصاد. هذا ما يبحثه المؤلفان في إطار «الأبعاد البنيوية والثقافية للعمل والاقتصاد».

ويتم التأكيد في التحليلات المقدّمة على الأهمية المركزية لميدان «التربية» في مجتمعات ما بعد الحداثة. ذلك أساس أنه المسؤول الرئيسي عن البعد الثقافي للمجتمعات المعنية فيه. ثم إن التربية هي المجال الذي تتأسس على قاعدته المجتمعات متعددة الثقافات في حقبة ما بعد الحداثة. ويتم في هذا السياق أيضاً البحث عن أهمية قطاع «الصحة والطب» على مدى فصل كامل. ذلك للتأكيد على أهمية «البناء الاجتماعي والثقافي للصحة والطب» وآثاره على أشكال «اللامساواة» في البنية الاجتماعية والمعالجة الطبية. ذلك في منظور الوصول إلى رؤية جديدة ل«الصحة والطب في القرن الحادي والعشرين».

ويدرس المؤلفان أهمية العقائد الدينية في المجتمع الأميركي المعاصر حيث هناك نوع من «التنافس» بين التديّن والحداثة والأطروحات «الدنيوية» العلمانية. لكن يتم التأكيد على سمة التنوّع العقائدي الديني في أميركا اليوم مما تكون له انعكاساته على «المشهد الثقافي» كله. ويبحث جيفري الكسندر، كينيت تومبسون في الكتاب آثار النمو السكاني المتعاظم للمدن مما ينبئ أن «نزعة عمرانية ما بعد حداثية» سوف تتسم بها مدن المستقبل. وأبعد من المدن ستتثبت أركان مجتمعات ما بعد الحداثة المعلومة وذات «الحركية» الاجتماعية الكبيرة. ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب هو بعده التعليمي التأسيسي للمفاهيم الجوهرية بعلم الاجتماع المعاصر بالنسبة ل«ثقافة ومجتمع بطور التحوّل»، كما يقول العنوان الفرعي.

بين الفردي والاجتماعي

من المسائل المطروحة على علم الاجتماع المعاصر تحديد العلاقة بين ما هو «فردي» وما هو «اجتماعي». ذلك على أساس أن مفهوم «الفرد» نفسه له «تاريخيته» إذ لم يتم «اختراع» مفهوم الفرد إلا في مراحل لاحقة وقريبة العهد بالنسبة للحقبة المعاصرة. هكذا كانت الصيغة «البدائية» لصياغة مفهوم الفرد في إطاره الاجتماعي متمثلة في الأسرة لتأتي بعد ذلك صيغ «ثانوية» حدد لها المجتمع وظائف ثابتة.

المؤلفان في سطور

يعمل جيفري الكسندر أستاذا لعلم الاجتماع ـ السوسيولوجيا- في جامعة يال، وهو مدير مركز السوسيولوجيا الثقافية فيها. له العديد من المؤلفات التي نال بعضها شهرة عالمية مثل «الدائرة المدنية» الصادر عن جامعة اكسفورد عام 2006. و«دلالة الحياة الاجتماعية: دراسة سوسيولوجية ثقافية» الصادر عن نفس الجامعة عام 2003. وكينيت تومبسون هو أستاذ شرف للسوسيولوجيا في المركز القومي للتعليم بالمراسلة. ومؤلف كتاب: «الأخلاق المثيرة للقلق».

الكتاب: مقدمة معاصرة لعلم الاجتماع ثقافة ومجتمع بطور التحّول

تأليف: جيفري الكسندر، كينيت تومبسون

الناشر: باراديغم - نيويورك ـ 2008

الصفحات: 656 صفحة

القطع: المتوسط

A contemporary introduction to sociology: culture and

society in transition

Jeffrey Alexander, Kenneth Thompson

Paradigm- New York- 2008

656 P.