بادرت مجلة «صالون» الثقافية المتخصصة إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي الأميركي ستيفن كينغ مع صدور مجموعته القصصية الجديدة بعنوان «بعيد الغروب»، حيث ألقى الضوء على الخط الناظم الذي تدور حوله قصص المجموعة.
مشيراً إلى أنه يطارد على امتداد صفحاتها النغمة الحزينة الدالة في حياة الأميركيين وأبرز مخاوفهم المتمثلة في انتزاع الوفرة من أيديهم ومواجهة الموت في ظروف مؤلمة، وشدد على هويته باعتباره روائياً سياسياً جمع بين الانتماء إلى مؤلفي الأعمال الأفضل مبيعاً والالتزام السياسي الذي تجلى في أبرز أشكاله في التظاهر ضد الحروب التي تخوضها أميركا. وفيما يلي نص الحوار:على امتداد مجمل أعمالك هناك خيط ممتد، طرح داخلي ممتد عن الله، وأنا أفكر هنا بصفة خاصة في قصة «أيانا» في مجموعتك الجديدة.
الأمر غامض بالنسبة لي، وذلك هو الشيء الأول الذي يهمني حول فكرة الرب، فمجرد التفكير في هذا المفهوم هو أمر غامض وقوي ومدهش، وينبغي أن تأخذه على محمل الجد. وأنا أدرك من أين جاء بيل ماهر عندما يقول بصفة أساسية إن العالم يقضي على نفسه حيال مجموعة من الحكايات التي تدور حول الثعابين الناطقة والرجال الذين يعيشون داخل أسماك. وأنا متعاطف للغاية مع هذه الفكرة.
ولكن في الوقت نفسه وفي ضوء الأكوان التي نعيش فيها فإنها فكرة مقنعة للغاية، فكرة أن هناك نوعاً من السبب الأول الذي يتخلل الأشياء. وقد لا يكون رب جيري جينكنز وتيم لاهاي، قد لا يكون رب تنظيم القاعدة، قد لا يكون رب أبراهام، ولكنه كيان علوي تنتمي إليه كل الأشياء. ونظام الكون على نحو ما نراه، الطبيعة المتداخلة، الطريقة التي تعمل بها الأشياء معاً مقنعة بالفكرة القائلة إن هناك سبباً أول مهيمناً على كل شيء.
في مجموعتك الجديدة، تواجه شخصيات عديدة موتها الطبيعي. كيف يتعامل فنان واجه على الدوام الموت مباشرة بإحساس متزايد بالفناء الذي يجئ مع الإيغال في العمر؟ هل تجد أن سنواتك التي أمضيتها في خنادق الفضول المرضي قد أهلتك بصورة مناسبة لعملية الإيغال في العمر؟
لنأخذ قصة «أيانا». هناك نكتة مدفونة في تلك القصة. وقد كتبت تلك القصة عندما كنت أقرأ مواد أعدها لمجلد «أفضل القصص الأميركية» لهايدي بيتلور. ومن الأمور التي تحدثنا عنها الكيفية التي يبدو بها أن العديد من القصص قد كتبها أناس يواجهون للمرة الأولى آباء يوغلون في العمر ويشعرون بالضعف ويواجهون مشكلات قاتلة، كالسرطان أو غيره. كان ذلك بمثابة نغمة حزينة داخلة في حياة الأميركيين، أي العناية بآباء يحتضرون. وعندما شرعت في كتابة قصة «أيانا»، التي هي قصة عمن يشفى ومن لا يشفى، حدثت نفسي قائلاً: «يتعين عليَّ أن أدرج هنا بعض الآباء الذين يحتضرون»، ولذا فقد قمت بذلك.
هناك سؤال شخصي عن يوم الدينونة. إذا كان عليك أن تواجه حدوث كارثة كبرى تودي بالحضارة البشرية خلال حياتك، فأين ستضع نقودك؟
الأسلحة النووية. لا شك في ذلك. هناك أيام أنهض فيها وأقول: ليس بمقدوري أن أصدق، ليس بمقدوري أن أصدق أن أكثر من خمسين عاماً قد انقضت منذ انهالت إحدى القنابل النووية على سكان مدينة حقيقية. هناك العديد من مثل هذه القنابل هناك. وإحداها قد تفقد، أو قد يقوم أحدهم بتركيب قنبلة من قطع الغيار ويفجرها في بومباي أو نيويورك أو سان فرانسيسكو.
هناك قصة في مجموعتك الجديدة بعنوان «أصيل التخرج» تؤثر كثيراً في نفس القارئ. وهناك أعداد كبيرة من الأميركيين تؤمن بالفردوس وبالجحيم. هل لديك تصور للحياة الآخرة؟ ما الذي تتوقعه؟
أعتقد أن الحياة الآخرة هي ما تفكر في أنها ستكون عليه. أعتقد أن هناك تنويعاً على الفكرة القائلة ان هناك جزءا في مخك مبرمجاً على إبداع الطريقة التي تنطلق بها الأحلام لتوجد الطريقة التي تتوقعها للخروج بسلاسة من هذه الحياة الدنيا.
مرت ثلاثون عاماً منذ إصدار روايتك «المواجهة» خلال مرحلة مضطربة بالنسبة للعالم عامة وأميركا بصفة خاصة. ونحن في مرحلة اضطراب أخرى الآن. هل تشعر بالتوق إلى كتابة رواية أخرى تتضمن رؤية ليوم الدنيونة؟
لقد قمت بذلك لتوي، وأنهيت كتاباً مطولاً بعنوان «تحت القبة»، وهو لا يشبه يوم دينونه باتساع العالم أو أي شيء من هذا القبيل، ولكنه كتاب طويل للغاية، وهو يتناول بعض القضايا ذاتها التي تناولتها رواية «المواجهة» ولكن بطريقة أكثر رمزية.
فيما كنت تشتغل في روايتك الجديدة هذه، هل كنت تفكر في رواية «المواجهة»؟
ليس بصورة حقيقية، لأنها ذات تكوين مختلف عن رواية «المواجهة». ولكنني لا أريد أن أفصل القول في هذا الصدد، لأن الرواية الجديدة ينبغي أن تعاد كتابتها ويتم تحريرها وانجاز كل شيء بالنسبة لها. ولكنك محق، حيث أن هاتين المرحلتين الزمنيتين متشابهتان للغاية. وقد انتهيت مؤخراً من قراءة كتاب بعنوان «نيكسونلاند» وأوجه التشابه بين حملات نيكسون الانتخابية وحملات ماكين تثير الاكتئاب.
وهذا الأخير حضر الكثير من الفعاليات التي يفترض أنها عفوية وجماهيرية، ولكنها في حقيقة الأمر مدارة ومدبرة تماماً. وأوجه التشابه لا حصر لها. فهناك حرب لا تحظى بالجماهيرية ومشكلات اقتصادية ومشكلات طاقة، فالأمور كثيراً ما تتكرر، ورواية «المواجهة» تقول ذلك، فالحياة مثل العجلة الدوارة، وإن آجلاً أو عاجلاً ستعود إلى النقطة التي انطلقت منها.
هل تجد أن الأميركيين قد أصبحوا أكثر تشاؤماً في تفكيرهم مما كانوا عليه قبل ثلاثين عاماً؟
الأميركيون متشائمون بطبيعتهم. والسبب في ذلك هو أننا على الدوام لدينا الكثير للغاية، لذا فإننا نعيش في خوف قاتل من أن أناساً بسبيلهم إلى أن ينتزعوا هذه الوفرة منا.
المسائل السياسية ليست بعيدة أبداً عن رواية «المواجهة». فعندما يحل الوباء وينقضي، فإن المجتمع يتعين أن يتم إصلاحه. فهل تنظر إليها على أنها رواية سياسية بأي معنى؟
لقد نظرت إليها بتلك الطريقة. لقد كنت على الدوام روائياً سياسياً، وقد أثارت هذه الأمور على الدوام اهتمامي. ورواية «مشعل النار» هي رواية سياسية. ورواية «المنطقة الميتة» هي رواية سياسية. وهناك ذلك المشهد في رواية «المنطقة الميتة» حيث يرى جوني سميث في المستقبل جريج ستيلسون وهو يبدأ حرباً نووية. وفي داري نضحك لدى رؤية سارة بالين في التلفزيون ونقول: «هذا جريح ستيلسون في إهاب امرأة».
كيف تنظر إلى تأثيرك بصفة عامة؟ من الصعب التفكير في الكثير من الشخصيات الأخرى التي تتمتع بتأثير مستمر على الثقافة الشعبية الأميركية المعاصرة؟
جانب من هذا يعود إلى المصادفة المتعلقة بالعمر، فأنا من جيل وفرة المواليد، حيث ولدت عام 1947، وليس بالإمكان القول إنني أكثر أبناء هذا الجيل إيغالاً في العمر، ولكنني قريب من ذلك. وقد كنت الأول في هذا الجيل الذي يصبح كاتباً لأفضل الكتب مبيعاً. وهكذا فقد كنت الكاتب الأول في جيلي الذي قدم أفضل الكتب مبيعاً والتحق بصفوف الحرس القديم مثل إروين شو وجيمس ميتشنر وهرمان ووك. وقد كنت الرجل الذي ألف أفضل الكتب مبيعاً والذي انطلق في المظاهرات ضد الحرب في فيتنام.
المؤلف في سطور
ولد الروائي الأميركي ستيفن كينغ في 21 سبتمبر 1947 في بورتلاند بولاية مين، وحصل على بكالوريوس العلوم من جامعة ميل في أورونو عام 1970، وعمل بالتدريس وكتابة القصص القصيرة. قبلت روايته «كاري» للنشر في عام 1973 وحققت نجاحاً هائلاً أتاح له الاستقالة من عمله في التدريس والتفرغ للكتابة بصورة كلية، ومنذ ذلك الحين قدم للمكتبة العالمية أكثر من خمسين كتاباً تصدر معظمها قوائم أفضل الكتب مبيعاً وحولت إلى أفلام أو مسلسلات تلفزيونية «شهيرة».
ومن أشهر هذه الأعمال «المواجهة» و«البريق» و«البؤس» و«الميل الأخضر»، وجمع بين الابداع الأدبي والعزف في فرقة لموسيقى الروك ورعاية فريق بوسطن رد سوكس والعديد من المؤسسات الخيرية. حصل على العديد من الجوائز وألوان التكريم، أبرزها جائزة أوهنري عن كتاب «الرجل ذو البدلة السوداء» عام 1995 ووسام الإسهام المميز في الأدب الأميركي من مؤسسة الكتاب الوطني الأميركي عام.
منى مدكور
