تعد مجموعة «بعيد الغروب» التي تضم ثلاث عشرة قصة المجموعة الأولى التي يقدمها الروائي الأميركي ستيفن كينغ منذ عام 2002، وهو في المقدمة التي كتبها لهذه المجموعة ينسب إلى تحريره لمجلد «أفضل القصص الأميركية» الفضل في إعادة اهتمامه بهذا القالب الإبداعي ودفعه إلى إبداع قصص المجموعة، حيث تظهره معظمها وقد عاد إلى تألقه في إبداع هذا القالب الفريد، الذي ينطلق عبره ليقدم قصص الرعب والإثارة التي تمزج في إطار من الفانتازيا والواقعية السيكولوجية.
وربما كان أبرز ما في هذه المجوعة أنها تقدم لنا أشد الكوابيس ضراوة ووحشية وهي تنطلق من أكثر التجارب ألفة وعادية، حيث يبدو لنا ستيفن كينغ راوية قصص يعمل بلا هوادة، فنراه على سبيل المثال يحول منطقة الاستراحة الواقعة على أحد جوانب طريق إلى مكان لاستلهام قصص تعلق بالذاكرة طويلاً. ونحن نعرف أن إحدى القصص كتبها كينغ في ساعات قلائل أمضاها في غرفة بأحد الفنادق في استراليا، لا ليء إلا لأنه كان لديه وقت يتعين عليه أن يقضيه بطريقة أو أخرى. وهو يوضح لنا في المقدمة أن عمله على تحرير مجلد «أفضل القصص الأميركية» قد طرح عليه سؤالاً صعباً لابد له من الإجابة عليه، وهو: هل لايزال بمقدوره أن يبدع في إطار القصة القصيرة بعد أن أمضى سنوات طويلة يقدم روايات تجاوز بعضها الألف صفحة؟
وهو في غمار محاولة الإجابة عن هذا السؤال وجد نفسه يحول المواقف العادية والمألوفة المتعلقة بالحياة اليومية إلى بوابات تفضي إلى الفانتازيا والرعب التي تشكل جوهر القصص الثلاث عشرة التي تضمها المجموعة. وهناك مخاوف بعينها تحلق في فضاء هذه المجموعة التي تتسم أحداثها، قبل أي شيء آخر، بالحركة السريعة.
نجد أن قصتين، على الأقل، تعكسان جهداً مكثفاً يبذله ستيفن كينغ لاستحضار أجواء الرعب المواكبة للحادي عشر من سبتمبر، إحداهما تتضمن استحضاراً بصريا بالغ القوة لتلك الأجواء والأخرى تشتمل على استكشاف مرعب لما أعقب أحداث هذا اليوم مباشرة. وهناك قصتان أخريان في المجموعة تتوسعان في الاشتغال على إمكانيات الاختلال الاستحواذي القهري من خلال استدعاء أجواء الحادي عشر من سبتمبر.
من هنا لن يدهشنا أن نقرأ عبارات من هذه النوعية في قصص المجموعة: «بقدر ما أعلم، فإن رأس الثعبان المسطح ذا العينين الحمراوين الورديتين وما بدا أنه ثنيات تتضخم من خطمه لم يكن إلا وليداً صغيراً فحسب». ومن المحقق أن توقع قراءة عبارات من هذا القبيل هو ما يبقى على الحماس الشديد الذي يبديه المعجبون بأدب ستيفن كينج. ونتوقف أيضاً عند إحدى قصص المجموعة والتي تتضمن التبادل المدهش التالي للحوار:
« ـ لا تفعل ذلك!
ـ نعم.
ـ توقف.
ـ لا
ـ لسوف انتزع عينك من محجرها مباشرة وألقي بها في الحوض».
ومن المحقق أن كينغ قد عمل في هذه المجموعة بشكل أسرع وأكثر كفاءة مما فعل في رواياته الطويلة للغاية التي قدمها مؤخراً، وآليات أسلوبه في العمل تبدو هنا أكثر وضوحاً بكثير من نظيراتها في تلك الروايات.
وقد اختار كينغ عنوان «الاستراحة» لأبرز القصص التي تتخذ من الاستراحات على جوانب الطريق ساحة لأحداثها. وفي هذه القصة نتابع نفسية كاتب وهي تمتص تجربة الاستراحة عبر هويتين، أولاهما هوية ذاته باعتباره الكاتب كلارك كينث، والهوية الثانية هي شخصية الفتى الشرس الذي يضطلع ببطولة رواياته. وعندما يرى الرجل الحقيقي رجلاً يتعامل بوحشية مع امرأة ويتحرش بها فإنه يتجمد في موضعه، وكأنما أصيب بالشلل، أما بطل الروايات فإنه يثب متأهباً للحركة النشطة. ويقر كينغ ساخراً بأن عبارة «لا تؤذني، أيها السيد!» هي عبارة يحتمل بشكل أكبر أن يجدها كاتب في صفحة من أن يسمعها، وهي تقال في الحياة الواقعية.
والقصص الأكثر نجاحاً في هذه المجموعة تبدأ من دون استحواذ مسبق، ولكنها بعد ذلك تتجه إلى منطقة مجهولة، لتحلق بعيداً في الجوانب القصية من خيال ستيفن كينغ الرحب. وتصاعد عمليات السرد هذه يبدو محسوباً بدقة وبعناية كبيرتين. خذ في هذا الصدد على سبيل المثال قصة «الدراجة الثابتة» التي تضرب جذورها فيما يدعوه ستيفن «علاقتي القائمة على الكراهية المتبادلة ليس مع الدراجات الثابتة وحدها وإنما مع كل جهاز ثابت استخدمته وكل درج كهربائي صعدت عليه». وربما كانت الدراجة عدوته، لكن الضجر هو صديقه.
هكذا فإنه يكتب عن رجل يدعى ريتشارد سيفكيتز يزور طبيبه، ويقدم الطبيب لسيفكيتز صيغة مبسطة من التشخيص الطبي لحالته، فالكولسترول المرتفع لدى المريض يرهق جسمه، ويضيف الطبيب: «من المفيد في هذه المرحلة التفكير في عملية الأيض باعتبارها فريق عمل. الرجال الذين يرتدون ملابس التشينو والدكتور مارتينز». وقد يبدو هذا سخيفاً بالنسبة لسيفكيتز، ولكنه بمثابة فكرة سرعان ما تسيطر على خياله.
وهكذا فإن سيفكيتز يعكف على الحركة على الدراجة الثابتة، مستحضراً فريقاً بكامله من الرجال الصغار الذين ينجزون الصيانة في صفائحه الدموية، وسرعان ما يعلق في التمرين المجهد والعمل على الدراجة وسط مشهد الاستراحة علي جانب الطريق، وذلك على الرغم من أن الدراجة الثابتة موجودة في قبو.
وكما هي الحال في روايته «دوما كي» فإن ستيفن كينغ يترك صورة قابلة للتغير على نحو غامض تروي قصته، وتصبح رؤية سيفكيتز أكثر تفصيلاً كلما أوغل في الحركة على الدراجة الثابتة. وتأخذ القصة منعطفاً من الرعب لتصل إلى الحل الوسط السعيد الخاص بسيفكيتز حول ما يتعين أن يقوم به لكي يبقى على قيد الحياة.
ويلفت نظرنا أن قصص مجموعة «بعيد الغروب» يجمع بينها التنوع الذي يعكس طبيعة المطبوعات التي نشرت فيها لأول مرة، فقصة «حلم هارفي» تبدو مصقولة بصورة غير عادية في انعكاس مباشر لما يفضله محررو مجلة «نيويوركر». أما قصة «ديلا» التي تعكس انعطافة نهائية يبدو فيها تدخل المؤلف بقوة فقد نشرت لأول مرة في مجلة «بلاي بوي» وقصة «ن» هي نص مسلسل فيديو، الأمر الذي يعني أن بمقدور القارئ مشاهدة أجزاء منها عبر الإنترنت، ومن المتوقع أن تصدر في كتاب في قالب الرسوم الفكاهية المصورة.
ولكن أيا كان القالب أو الإطار الذي يتابع فيه المتلقي المحتوي العاصف والمنزع بالرعب والإثارة والفزع والتأمل الذي يقدمه لنا ستيفن كينغ، فإن الرعدة والإغراق في التفكير يظلان هما الحصيلة التي ينشدها المؤلف، ويبقيان الغنيمة التي يسعى القراء للظفر بها.
ذات أصيل
«ذات أصيل، ليس بعد وقت طويل من تحول يوليو إلى أغسطس، أبلغها ديكي هوليس بأن هناك آخرين معها في الجزيرة، ودعاها بالجزيرة وليس بالرأس البري. وكان ديكي رجلاً خشناً في الخمسين أو ربما في السبعين من عمره. كان طويل القامة، ممشوقاً، ويعتمر قبعة عتيقة من القش تبدو مثل آنية حساء مقلوبة. ومن السابعة صباحاً إلى السابعة مساء كان يدير جسراً يمتد بين فيرميليون والبر الرئيسي. وكان ذلك بين يومي الاثنين والجمعة.
أما في نهاية الأسبوع فقد كان الفتى هو الذي يتولى هذه المهمة (قال إن الفتى في حوالي الثلاثين من العمر). وفي بعض الأيام عندما كانت إيم تنطلق عدواً إلى الجسر وترى الفتى بدلاً من ديكي في المقعد العتيق خارج بوابة الدار يقرأ مجلة (مكسيم) أو (بوبيولر ميكانكس) وليس (نيويورك تايمز) كانت تنزعج لإدراكها أن يوم السبت قد أقبل مجدداً».
مقتطف من مجموعة بعيد الغروب»
الكتاب: بعيد الغروب
تأليف: ستيفن كينغ
الناشر: سيمون أند شوستر، نيويورك، 2008
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Just After Sunset
Stephen King
Simon and Schuster, N.Y., 2008
384 P.

