يوضح كتاب «سقوط الحلم الشيوعي» للكاتب الصحافي عبد الستار الطويلة أن الشيوعية ليست حلمًا استحدثه كارل ماركس وانجلز، فهذا في الحقيقة منح لشرف ذلك الحلم لفريق واحد من المنظرين والمفكرين الذي يسمون بالماركسيين، فهي حلم من عهد أفلاطون، ثم جاء من قبل ماركس بسنوات سان سيمون، وفورييه، وروبرت أوين وغيرهم قبلهم وبعدهم كتب الكثيرون عن يوتوبيا.. أي المجتمع المثالي كما تصوره معبرًا عن نوع من أنواع الشيوعية.

ولكن ما يميز كارل ماركس عن سائر الحالمين بالشيوعية، أنه استحدث نظرية سماها بـ «الاشتراكية العلمية» باعتبار أن ما سبقه الغير إلى وضع نظريات اشتراكية إنما كانت نوعًا من الاشتراكية الخيالية أو الطوبائية.. كان ماركس يهدف من تلك الاشتراكية إلى إلغاء الاستغلال، الذي يمارسه الرأسماليون على العمال وسائر طبقات المجتمع، وتصور أن ذلك سيؤدي إلى إطلاق قوى الإنتاج في المجتمع، بحيث تحدث وفرة فيه، إذ إن كل القادرين على العمل سيعملون ما داموا شركاء في ملكية وسائل الإنتاج، وظلت أفكار ماركس عن الاشتراكية، فيما كانت الشيوعية مجرد أدبيات مكتوبة في كتب على رأسها البيان الشيوعي الذي لخص نظريته تلخيصًا مكثفًا، ومؤلفاته الأخرى التي على رأسها كتاب «رأس المال» الذي اكتسب شهرة مدوية.

وفي إشارته إلى أسباب انهيار الاشتراكية في العالم، يقول المؤلف: يخطئ من يتجاهل دور التروتسكيين في ذلك الانهيار، فلقد كان التروتسكيون يمثلون الجناح المتطرف في الحزب الشيوعي السوفيتي القائد للنظام، وكانوا يمثلون الانحراف نحو اليسار والتشدد، ويضيف: فاجأ خروشوف العالم كله والشيوعيين بالذات في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي بالحديث عن عبادة الفرد عند الرفيق ستالين، الذي كان إنسانًا شبه مقدس لدى شيوعيي العالم، واهتزت الأحزاب الشيوعية كثيرًا، فإن واحدًا من أهم المسلمات التي آمنوا بها قد انهار وتحطم، وخرج عدد من المثقفين البارزين في الأحزاب الشيوعية بسبب تلك الصدمة.

في هذا الوقت خرج الحزب الشيوعي الإيطالي على العالم بتفسير جديد بدا غريبًا لما أعلنه خروشوف عن عبادة الفرد عند ستالين وديكتاتوريته التي شملت الحزب، وتأسست «اليوروكوميونزم» التي تعتبر نواة سميت بالشيوعية الأوروبية، وهذه الشيوعية الأوروبية ترفض نظرية ديكتاتورية البروليتاريا وتدعو إلى التعددية الحزبية، بل تمضي إلى أبعد من ذلك وهو أنه إذا ما جاءت نتيجة الانتخابات بحزب يرفض النظام الاشتراكي ويريد إعادة الرأسمالية فإن الحزب الشيوعي الحاكم يجب أن يحترم إرادة الناخبين ويترك السلطة للحزب الفائز.

ويجيب المؤلف على تساؤل مهم: هل كانت البيرسترويكا طريقًا للإصلاح فعلاً أم مجرد خطوة وتمهيد للتوجه نحو الرأسمالية؟ أي خدعة ومناورة؟ فيقول: أبدى بعض أعضاء الحزب الشيوعي تخوفًا من تلك البيرسترويكا وآثارها، ولكن كان واضحًا أنهم يمثلون أقلية إذا وافقت الأغلبية عليها، ودارت الأيام بسرعة لتؤكد أن مخاوف الأقلية كانت في محلها، وأن البيروسترويكا لم تجلب سوى الخراب والدمار للاقتصاد السوفيتي بل لدولة الاتحاد السوفيتي نفسه والاشتراكية كلها.

ويشير عبد الستار الطويلة إلى تفسير الشيوعيين لانهيار نظامهم في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، ومنه مستر سفوبودا - رئيس الحزب الذي يقول: أول وأكبر خطأ ارتكبه الحزب هو تخليه عن البرجوازية الصغيرة بل إنه طعنها في الصميم، ذلك لأن الحزب في برنامجه العام 1946 وعد أنه سيحمي الرأسمالية الصغيرة ضد الرأسمالية الكبيرة وكبار الملاك، ولكن بعد نجاحه في الانتخابات، تنكر لوعوده وبرامجه ومضى في يسارية متطرفة يؤمم كل وسائل الإنتاج ويخرب بيوت البرجوازية.

والخطأ الثاني أن الحزب أصبح جزءًا من الدولة، أي اندمج الاثنان وأصبح الحزب هو القوة الحاكمة فعلاً، وبالتالي فإن أي تصويت للجماهير ومشاركتها في الانتخابات لا جدوى منه، لأنه في النهاية يتحكم في مصير البرلمان، ومن هنا يلغي تمامًا دور الجماهير أو مشاركتها في الحكم، لأن الشعب كله ليس شيوعيًا، وبالتالي ألغى دور كل الناس الذين ليسوا شيوعيين أو مناصرين لها.

ويستخلص عبد الستار الطويلة أن دول أوروبا الشرقية فرض عليها النظام الاشتراكي فرضًا بواسطة الجيش الأحمر الذي حررها من النازية دون نضوج الظروف الموضوعية التي تجعل الشيوعيين أغلبية بين الجماهير بحيث يمكن القول إنها ـ أي الجماهير اختارتهم بملء حريتها باعتبار أن الظروف الداخلية في البلاد تستوجب وصولهم إلى الحكم لحل مشاكل الأغلبية بعد أن أفلست كل الأحزاب الرأسمالية.

ولم يستطع النظام الجديد في تلك البلاد أن يكتسب تأييد الشعب اللهم إلا لسنوات قليلة يمكن تسميتها سنوات النهضة في بعض البلدان وليس كلها، أي أن الرفض الشعبي كان هو الطابع العام ويبدو ذلك واضحًا في هبة عمال البناء في برلين الشرقية العام 1953 ثم ثورة المجر العام 1956 وحركة 1968 في تشيكوسلوفاكيا، ناهيك عن التحركات المستمرة المضادة للنظام في بولندا، وكلها تمت بالقوة حتى إلى حد استخدام قوة حلف عسكري بأسره كما جرى في تشيكوسلوفاكيا.

تفسير الانهيار

يتوقف عبد الستار الطويلة عند تفسير الشيوعيين لانهيار نظامهم في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، ومنه مستر سفوبودا - رئيس الحزب الذي يقول: أول وأكبر خطأ ارتكبه الحزب هو تخليه عن البرجوازية الصغيرة بل إنه طعنها في الصميم.

المؤلف في سطور

عبد الستار الطويلة كاتب مصري عمل نائب رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» له العديد من المؤلفات، منها كتاب «حرب الساعات الستة» و«السادات في إسرائيل» و«أزمة اليسار المصري» و«شركات توظيف الأموال» و«النور فوق مصر»، وهو من الكتَّاب المحسوبين على التيار اليساري في مصر.

الكتاب: سقوط الحلم الشيوعي

تأليف: عبد الستار الطويلة

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2008

الصفحات: 322 صفحة

الحجم: الكبير