يقام مهرجانٌ دولي للرواية العربية سنوياً في مدينة الرقة السورية، ويحمل اسم الكاتب الكبير الراحل عبد السلام العجيلي، وفي ختام كل دورة يصدر عن اللجنة المنظمة للمهرجان كتابٌ على قدر كبير من الأهمية يوثق أهم الشهادات الروائية، وأهم المداخلات النقدية التي ألقيت فيه، ليكون مرجعاً للحراك الروائي العربي المعاصر.

يقدم الناقد المصري د. صبري حافظ دراسة نقدية متميزة، وشاملة، يرفض فيها من حيث المبدأ الفكرتين الشائعتين عن ميلاد النصوص السردية العربية، الأولى التي تقول باستيراد النصوص السردية من الغرب، والثانية التي تزعم أن الرواية العربية تطوير طبيعي للنصوص السردية العربية القديمة مثل «المقامة» و«ألف ليلة وليلة». ويقول: أصبحنا نقرأ تنظيرات عن الرواية العربية التاريخية، والرواية الرومانسية، والرواية الواقعية، ثم الرواية الحداثية، ورواية ما بعد الحداثة، وكلها تصنيفات مستوردة من الرواية الأوروبية التي أجريت لها عملية تحقيب تاريخية لمسار استغرق أكثر من قرنين، بينما الرواية العربية عمرها، إبان هذه التنظيرات، لا يزيد عن نصف قرن.

وتتحدث د. شهلا العجيلي عما يسمى النقد الحديث «ما تحت الأدبي في الرواية» ويتضمن العناصر الثقافية والاجتماعية التي تدخل في تكوين النص الروائي، ويتضمن كذلك الأساطير، والمخزونات الثقافية، والأغاني الشعبية، والأهازيج، والمواويل، والأمثال، والحكايات، والمقالات الصحفية، والمدونات، والمقولات التراثية.. ويُنظر إلى هذه العناصر تحت الأدبية بعين الريبة نتيجة سطوتها المتزايدة على النص.

ويقدم الباحث المغربي د. سعيد بنكراد قراءة نقدية لرواية «المرأة والصبي» للميلودي شغموم التي تقوم على ثنائية الأصل والنسخة، فالبحث عن صورة العجوز والقنينة التي اختفت من حانات المغرب تقود إلى البحث في أصولها الممكنة وعن صاحبها وموطنه وتاريخه وقصته. ويخصص الناقد المصري د. مجدي أحمد توفيق بحثه لتأمل العلاقة التي تجمع بين الرواية والأسطورة، وكنه العلاقة بينهما، مطبقاً أفكاره النقدية على ثلاث روايات هي: «في غيابها» لنبيل سليمان و«خيانات شرعية» لسمير عبد الفتاح ورواية «السمندل» لفؤاد الحلو.

ويتطرق د. عبد الله أبو هيف من سورية للحديث عن أعمال خيري الذهبي الروائية، فيرصد في رواية «حسيبة» تحولات الشام، وتبدو رواية «فياض» مثالاً لتحكمية الأيديولوجية على التفكير الأدبي والشغل الروائي برمته، ويرى أن خيري الذهبي يعود في روايته «هشام» إلى سيرورة الرواية الانسيابية، وتنتمي رواية «لو لم يكن اسمها فاطمة» إلى خطاب التأزم الحضاري مع الذات والعالم.

ويتحدث الأديب المصري سمير الفيل عن سحر الأسطورة وقوة المخيلة في رواية «مدينة اللذة» لعزت القمحاوي الأديبة المصرية دعاء نصار تتناول بالنقد والتحليل رواية الأديب المصري الراحل محمد مستجاب التي تحمل عنوان «إنه الرابع من آل مستجاب»، وترى أنه من المبدعين الذين أغوتهم الأسطورة استلهاماً وصنعاً، وقد كانت شخصيته ذاتها تملك الكثير من المقومات الأسطورية في أبعادها الحياتية والإبداعية، وهو، بوعي الكاتب، يتواطأ مع قرائه ليكشف عن آلية نسج الأسطورة.

الأديب والناقد الأسباني كلارا توماس انطونيو شارك بمداخلة (ترجمها الأديب السوري رفعت عطفة) خصصها لتكريم الأديب السوري حنا مينة الذي ناضل بقلمه الروائي من أجل مجتمع أكثر إنسانية وعدالة، وتحدث بإسهاب عن روايته «الشمس في يوم غائم».

ويتضمن الكتاب شهادات في التجربة الروائية، تحدث خلالها خيري الذهبي عن لوقا سميساط السوري، وقدم فواز حداد ملاحظات في الرواية، وتحدث الدكتور عيسى العاكوب عن الراحل العجيلي وأسئلة الأنا المبدعة، وعزت القمحاوي تحدث عن علاقته الإبداعية بالأسطورة، وتطرق عمر قدور إلى بعض مشكلات الرواية السورية وآفاق تطورها، وتحدث يوسف المحيميد عن ليل الأساطير في طفولته، وقدم إبراهيم الخليل قراءة في المكونات الغائبة، ومحمد جاسم الحميدي تحدث عن الروح التي تسكن في أجسادنا، وحملت مداخلة غسان ونوس عنوان «التلويح بالكلمات».

وتحدث حسن حميد عن المدونة والفن والأسطورة، وقدم رشاد أبو شاور قراءة في رواية «قناديل إشبيلية» للعجيلي، وروزا حسن تحدثت عن تبدلات اللغة، وأنيسة عبود عن الأسطورة بين التجديد والتقليد، والسردية التاريخية لعفاف السيد، وتحدث صبحي فحماوي عن تجربته الخاصة في الرواية. وثمة جلسة خاصة بالرواية التركية الحديثة شارك فيها كل من زينب عليا وملتم أرقان.

ريحانة والتاريخ

تتناول الناقدة العراقية وجدان الصايغ رواية «ريحانة» للأديبة ميسون صقر القاسمي التي تصوغ أفقاً سردياً يستفيد من التاريخي والسياسي والثقافي والحكائي والغنائي من جانب،.. ومن الشعري والتشكيلي من جانب آخر، وتسلط الضوء على مناخات الأنوثة المستلبة، وتنامي البنية النفسية لهذه الكينونة المحاصرة بلعنة العبودية.

المؤلف في سطور

يحمل كتاب «الفنون والأساطير في الرواية العربية» الصادر عن الدورة الثالثة للمهرجان الدولي للرواية العربية الذي يقام سنوياً في مدينة الرقة السورية، اسم الكاتب الراحل عبد السلام العجيلي، معظم المحاضرات والشهادات والأوراق النقدية المقدمة خلال فعاليات المهرجان وهي في الغالب لعدد كبير من الروائيين والنقاد العرب الين يشاركون في هذا المهرجان والذين أسهموا ببناء المشهد الروائي والنقدي العربي في الآونة الأخيرة، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب القيم الذي يجمع في طياته كل هذه الخبرات الإبداعية.

خطيب بدلة

الكتاب: الفنون والأساطير في الرواية العربية

تأليف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: دار الينابيع - دمشق 2008

الصفحات: 426 صفحة

القطع: الكبير