يقرأ د. أحمد عمران الزاوي في كتابه «الصوفية بين الوهم والحقيقة» أصل ومعنى الصوفية، ومدى ملامستها للوهم والحقيقة عند المتصوِّفة الإسلاميين، فيبدأ أوَّل ما يبدأ في تعريف كلمة «الصوفية»، فيورد عدداً من الآراء.

يذهب الباحث إلى الحديث عن (بوذا) أي المستنير، وعن مذهب (البراهمية) وهو مذهب وحدة الوجود، وعن الفيلسوف الصيني (لو- دزه) وهو من أعظم فلاسفة الصين قبل (كونفوشيوس)، وعن تصوُّف (فيثاغورث)، باعتبار أنَّ الحكمة ولدت في الهند والصين، ومن ثمَّ انتقلت إلى اليونان. مع إنَّ الفلسفة الصينية تختلف عن سواها في تركيزها على الحياة المادية والتفاتها إلى ما بعد الحياة، أي بما معناه أنَّها فلسفة ليس فيها شيء من ينابيع التصوف وأفكاره حتى مجيء الإسلام.

فيرى أنَّ أهمَّ الشخصيات الإسلامية التي اختارت الزهد والتقشف عن مغريات الدنيا، ويمكن أن نسمِّيها بالمتصوِّفة كانوا من صحابة رسول الله (ص) ومنهم: عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، سلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، بلال بن رباح، أبو الدرداء، عمَّار بن ياسر. ومن التابعين يذكر أبو عبدالله الخصيبي 260- 346 هجري، والمنتجب الدين العاني الخديجي المضري 330- 400 هجري، وهو شاعر من مضر إحدى قبائل قريش، وقد كان شعره من النوع العرفاني الرمزي لا شطح فيه:

فتحت سمعي وطرفي عن هواه فلم أنظر سواه ولا أصغي لواشيه وقد اختلف عليه الكثيرون لشدَّة ورعِه حتى اتهموه بأنَّه كان مسلماً ونصرانياً ويهودياً، ومعتدلاً ومتطرِّفاً في آن واحد مع إنَّه لم يكن إلاَّ مسلماً. سيما وأنَّ الصوفية باعتباره أحد المجتهدين فيها قد طرحت نفسها أسلوباً تعبُّدياً لا يتقيَّد بكتاب أو شرع، فلم تنتشر بأسلوب موحَّد، بل تعدَّدت طرائقها بتعدد شيوخها، وهذا التعدد هو أعمق نقاط النقد، إذ إنَّ عِلْم علمائها ينزل عليهم من الله مباشرة (العلم اللدني).

مع ذلك فإنَّه علينا أن نؤمن بأنَّ هذا الصوفي الذي لا يمكن مناقشته ولا محاججته، بل يجب أن نقف أمامه كما يقول الكاتب أحمد عمران الزاوي مغلقي القلب والفكر؛ ذلك عندما يقول أبو يزيد البسطامي: جزت بحراً وقف الأنبياء بساحله، وقولَ رابعة العدوية التي كانت تمشي مسرعة وفي يدها اليمنى كأسُ ماء وفي الثانية شعلةُ من النار وهي تجيب من يسألها: أنا ذاهبة لأطفئ الجحيم في هذا الماء ولأحرق الجنة بهذه النار.

ثمَّ يعرض الباحث لحياة المكزون الأمير حسن بن يوسف، الذي ترك الإمارة وحدَّد طعامه وكساءه بما يضمن بقاء الجسد قادراً على تأدية الفرائض، والذي لخَّص فلسفته في التصوُّف بقوله:

ليس زهد الفتى بتحريم حلٍ من نكاحٍ ومطعم وشرابِ

وارتباطٍ بالربط أو باعتزال في جبال ولا ترقع ثيابِ

بل بقصدٍ فيما أحلَّ وزهدٍ في حرامٍ ورغبة في ثوابِ

فنرى أنَّ التصوُّف عنده هو الزهد إنَّما بقناعةٍ دينية، استمدَّت فقهها من الآثار الفكرية التوحيدية للإمام علي بن أبي طالب. بعد ذلك يستعرض المؤلِّف لتراجم حياة بعض متصوِّفي القرون التالية من مثل: إبراهيم بن الأدهم، رابعة العدوية، أبو يزيد البسطامي، الحسين ابن منصور الحلاج، أبو حامد الغزالي، محيي الدين بن عربي، ابن سبعين، فريد الدين عطار، جلال الدين الرومي.

على إنَّ بعضهم دفع حياته ثمناً لمعتقداته، آرائه، شطحاتِه، كالحلاج الذي قال (أنا الحق) فحُوكم على إثرها وحُكم عليه بالجلد، وتقطيع الأعضاء، وصلب ما بقي من الجثة. قد قال «اليافعي» في تاريخه عن الحلاج: إنَّه فيما كانوا يثبِّتون القيود في يديه كان يقول: الله في دمي فإنَّه حرام. فحمل مقيَّداً إلى السجن، وقال «المقتدر بالله» الخليفة العباسي لقائد الشرطة: اضربه ألف سوطٍ فإن ماتَ وإلاَّ فاضربه ألفاً ثانيةً ثمَّ اضرب عنقه (!!!).

فقال صاحب الشرطة للشرطي: إنْ لم يمتْ فاقطع يديه ورجليه، وحزَّ رأسه، وأحرق جسده، ولا تقبل خدعه. فنفَّذ الشرطي أمر الضرب ثمَّ قطع أطرافه وحزَّ رأسه وأحرق جثَّته، ونصب رأسه على الجسر سنة 309 هجري. كما دفع فريد الدين العطار نفس الثمن الذي دفعه الحلاج حين اتهم بالزندقة وقتله المغول، وقد قال عنه جلال الدين الرومي إنَّ روح الحلاج تجلَّت في العطار.

التصوُّف في جوهره ودواعيه هو زهد لجميع ما في الحياة من أكلٍ وشرب وجنس ولباس وإقامةٍ وأبناء وأموال. وقد بدأ في الديار الإسلامية مع بداية الإسلام، بدأ زهداً في الدنيا ورغبةً في الآخرة، ثمَّ استقلَّ عن الإسلام، إذ تأثَّر بالسياسة حيناً، وبالفلسفة حيناً، وبالفكر الطليق من كلِّ قيد. حتى لنجده الآن يسعى من خلال هذه الطرق التي انتشرت في شرق الإسلام وغربه وشماله وجنوبه.

ثمَّ يعرض الكاتب لمفهوم الولاية عند المتصوفين، وهي «فتوحات العارفين» و«كرامات المتصوفين»، ومعناها في الصوفية تسخير قوى الكون للولي بقوَّة روحانية تكون له بموجبها المقدرة على إثبات المعجزات والخوارق، والإخبار بالغيب وتلقي الهواتف من الله مباشرة (!!!!) أي أنَّ «الولي» عند الصوفية لا يصعب عليه عسير، ولا يستحيل أمامه أمر، حتى إنَّه يقول للشيء «كن فيكون».

كما إنَّ المتصوِّفة يروِّجون وينشرون الخوارق عن أوليائهم فمثلاً: أحمد البدوي كان يُحيي الموتى، والشاذلي كان يُحيل التراب إلى ذهبٍ بلمس اليد فقط، والفرغلي أحضر من الهند ثمرة الجوز وهو جالس لم يتحرَّك من مكانه، والحلاج كان يسمِّي بيته بيت العظمة، لأنَّه كان يملؤه حينما يدخل إليه فلا يخرج من باب ولا من نافذة، حيث لم تستطع الشرطة إخراجه إلا بعد أن طلب «الجنيد» منه التسليم.

والشيخ «أبا علي» كما تحدَّث الشعراني، كان كثير التحوُّلات فمرَّةً تدخل عليه فتراه جندياً بكامل اللباس الميداني، ومرَّةً تدخل عليه فتراه سبعاً ضارياً، ومرَّةً تدخل عليه فتراه فيلاً ضخماً، ومرَّةً تدخل عليه فتراه طفلاً صغيراً. مع إنَّ هذه كلها ليست سوى روايات طغى عليها الخيال والافتعال حتى خرجت وأخرجت معها أصحابها عن خط الاعتقاد والإمكان. والسؤال المهم: لماذا لا نرى في زمننا الآن مثل هؤلاء الأولياء؟.. إنَّ المبالغات الصوفية كادت أن تكون هلوسات مرضية، ووعياً فقد منه الوعي. وما قدَّمته هو انطباعاتٌ بمثابة عرض لا فرض، ومحاكمة لا حكم.

الزهد والقبول

التصوُّف عند الأئمَّة والفلاسفة المسلمين له تعاريف كثيرة؛ فالإمام الغزالي يرى أنَّه أمرٌ باطني لا تضبط الأحكام بحقيقته لعدم الاطلاع عليه. يقول: إنَّ التصوُّف أنْ تكون مع الله بلا علاقة، بينما أبو بكر الشبلي فيرى التصوُّف هو الجلوس مع الله بلا هم، في حين يرى الحلاج أنَّ التصوُّف هو من اتحَّد بالذات الإلهية حتى صار يتكلَّم عنها وباسمها. ثمَّ يخلص الباحث إلى ترجيح كلمة التصوُّف والصوفية بأنَّها مشتقَّة من الصوف للدلالة بالرمز على الزهد والقبول بالمعيشة الخشنة، وهو مذهب وحدة الوجود.

المؤلف في سطور

د- أحمد عمران الزاوي محامٍ، كاتب وباحث إسلامي سوري ولد عام 1930 في قرية (ضهر بشير) التابعة لمدينة طرطوس، وله أكثر من عشرين مؤلَّفاً نذكر منها: الحقيقة الصعبة في الميزان 1993، القرآن والمسيحية في الميزان 1995، العدل الإلهي والتناسخ 1997، نضال المرأة في مواجهة التحدي 1998، قصة القرآن مع الدكتور شحرور 2001، بؤس الحقيقة في أدب سلمان رشدي وصادق العظم، الصهيونية اليهودية والصهيونية السياسية 2004، الحضيض، جولة في تضاريس الفكر العربي.

أنور محمد

الكتاب: الصوفية بين الوهم و الحقيقة

الكاتب: أحمد عمران الزاوي

الناشر: دار طلاس - دمشق 2008

الصفحات: 343 صفحة

القطع: الكبير