يواخيم سارتوريوس، عاشق الإسكندرية يكتب عنها كتاباً، يؤرشفها في قلبه، ليس على شكل ألواح جامدة بل نبضات من قلب يعشق المدن الآسرة». ومنذ أن وطأت قدماه هذه الأرض، نبتت في مخيلته أشجار غاباتها وقراديس بحرها ومنارات جوامعها.
إنه عاش ذلك المكان الرطب بكل ذاكرة العظماء الذين مروا بها، مثل عاشق الليل، فهي في نوع من السراب الجميل. يتنقل بين حارات المدينة ويكتشف قصائد كونستنتينوس كفافيس كما يكتشف خطى لورنس داريل وهواجس هنري ميللر. فلم يعد هذا الشرق المبهر في عيون الرحالة سوى بطاقات بريدية وصور فوتوغرافية تتوزع هنا في زوايا البيوت القديمة. عاشق الليل هذا يجمع حوله كل العشاق: غيرهارد فالكنز، راؤول شروت، بيريكليس مونيوديس، وخوسيه أوليفر، ودوس غرونباين وسيسلاف ميلوش وغيرهم دون أن ينسى هيرقليطس العظيم طبعاً.
ويزور ملوك الإسكندرية في قصورهم التي ما عادت إلا خرائط ولوحات وطوابع وأوراق وحبر. فنادقها الفخمة والبائسة تذكره بخطوات الباحثين عن استراحة نوم. أحاديث مقاهيها ترن في أذنه تلك الموسيقى التي لا يمل سماعها. من الديبلوماسية ومهرجانات برلين وترجمة الشعر الأميركي والفرنسي إلى كتابة القصيدة، نشر أربع مجموعات شعرية منها ز ما الذي يرى المرء حين يريس الصادر عن دار توبقال ـ المغرب. هذا الشاعر لا يزال يؤمن بأن الجسور بين الثقافتين الألمانية والعربية ليس حلماً طوباوياً بل واقعا ملموساً ولكن من خلال الشعر هذه المرة لأن الشعر لا يخيب العشاق في نظره.
خلف مكتبة الاسكندرية
مقطع من قصيدة للشاعر الالماني يواخيم سارتوريوس جاءت تحت عنوان : «خلف مكتبة الاسكندرية» جاء فيها :
على حائط قاعة البليارد
لطخة ما زالت من شعر الشاب
ذي الخصر الجدير بلاعب أكروبات
الذي أحبّه الشاعر
واعتبر غدره عديم الأهمية
كعمود بومبيي. كانت الغيرة مطراً موحلاً متعباً دام خمس دقائق
أمام ستارة من الخرز، اندلاع فتور سكندري
في الريح الضعيفة على بحيرة مريوط.
مقطع من قصيدة «الغرفة فوق المقهى»
بلون القرديس
تحت القميص الأزرق
تخيّله.
صيف . صيف
اسمه
تراه
سيأتي؟
هل يأتي؟
مقطع من قصيدة «خطاف وعيون» :
في البحر على أربع سرطانات بحرية من زجاج
تنتصب المنارة إحدى عجائب الدنيا
الحيوانات البحرية زجاجية بعمق عشرين قدماً في الماء
ضخمة للغاية، لو مدّ رجل ذراعه عن آخرها
لا يصل إلى حدود يديها المسننة كالمنشار،
هكذا توافقت روايات الكثيرين، فأصبح تصديقها ممكناً.
من برج المنارة
لم يصلنا شيء. من زجاج دروع السرطانات
ما زال البحر يتلألأ حتى اليوم.
مقطع من قصيدة «كفافيس يناقض سينيكا» :
أنت مثل وردة، قال ذلك بالألمانية
قال ذلك للجميع . ما كان يريد أن يوقن
أن الإسكندرية أحد هذه المراتع
دية الآلهة هو.
فيه كنّا أحراراً بلا قيود.
في البيت، في 7 شارع ليبيسوس
لم يشعل الضوء لكي يتمكن
من ملاعبة الذكريات والصور الممنوعة بشكل أفضل
بين صفحات الكتب القديمة بحث عن أهدابك.
ترجمة: فارس يواكيم
من كتاب الإسكندرية سراب
إعلاء شأن الشعر
مهرجان دبي الدولي للشعر مبادرة حضارية تعلي من شأن الشعر بوصفه لغة للتواصل الإنساني على مستوى العالم، وهو بهذه الصفة يعيد بناء الجسور الثقافية التي تضررت بفعل التحديات المتنامية والتغيرات المتسارعة التي تجتاح عالمنا المعاصر.
يواخيم سارتوريوس، شاعر ومترجم أدبي ألماني
