إنه لضرب من ضروب الاستحالة أن يكون أحدنا من دون عنوان في عالم اليوم، إلا من كان يعيش نائياً في قلب غابة، مفارقاً كل التقنيات التي جعلت العالم قرية صغيرة مضغوطة حقاً.
العنوان يختلط مع الاسم الدال علينا، ولكنه يتقدمه لأنه يحدد المكان الذي نقيم فيه، ومن المستحيل إقامة علاقة ما مع الآخرين دون عنوان، خصوصاً في مجال العمل. هنا لا ينفع الاسم نفسه وحتى الشهادة العلمية والاعتبارات المكانية في المحيط الاجتماعي الواسع، إذ ما أكثر المتشابهين بأسمائهم، فلا بد إذا من علامات فارقة، ومن ذلك يأتي العنوان الشخصي الذي يمكّن السائل، وخصوصاً في المجالات الرسمية من الوصول إليه.
كلما تنوعت العلاقات وتوسعت حدود التعامل، بات لزاماً التعرف بالعنوان أكثر، حيث تتشكل خانة أو تُملأ بطاقة خاصة بالعنوان هذا، ولا أحد يعلم في الحالة هذه كيف يمارس العنوان المعطى لشخص ما، أو لجهة ما، وظيفتَه الخاصة به تلك التي تتنوع في أداءاتها، إذ ما أكثر الذين يمكنهم بدافع الفضول أو ربما الإساءة، يبدؤون بتثبيت عناويننا في أذهانهم أو في دفاترهم الخاصة، وبحسب نوعية العلاقة أو مكانة الشخص هنا، وبلوغنا ونحن في عقر دارنا ربما على غفلة أو دون أن يكون لدينا رغبة في رؤية شخص ما، تمكَّن من معرفة المكان الدائم:
بيتنا، والذي نقيم فيه اعتماداً على العنوان الذي يصبح مشاعاً أو لا يعود لنا يد في حركته، أو مَن مِن حقه تسجيل هذا العنوان أو ذاك(قد يكون لنا أكثر من عنوان لأسباب تخص المكانة أو الوظيفة أو جانب السلامة، ورغم ذلك ما أسهل العثور على جملة عناويننا بطرق شتى!)، إن العنوان هو الذي يفتح الثغور في جدار الركن الحصن الذي نلوذ به، يشكل هاجس خوف لنا ونحن لا نستطيع فعل شيء هنا.
العنوان: دليلنا الثقيل الظل، وربما عفريت القمقم الذي نبحث عنه ونخرجه من العتمة ليكون طوع أمرنا، إذ يصل الآخرين بنا حيث نتوارى وراءه وفينا نزعة إلى التباهي نفسياً في الاستقطاب، رغبة خيلاء تعزز مقامنا الذاتي من خلال العنوان نفسه، هذا الذي يلهمنا كثيراً بما لا حصر له من الصور أو المشاهد، إذ نكون مثار تساؤلات الآخرين موضوع بحث لهم.
يثيرنا سؤال الآخرين عنا من خلال العنوان الطليق في الجهات الأربع، عبر بطاقات مختلفة المقاييس شكلاً ولوناً وطريقة كتابة خط، نتشكل شخصيات مختلفة عما نكون عليه بالقدر الذي نكون بعيدين عن الآخرين، حيث لم يتحقق لقاء شخصي بعد، يكون العنوان خميرة حية في توليف أو تكوين أصناف مختلفة من الصور الشخصية التي تعنينا، وذلك يتجاوب مع نزعتنا الذاتية وربما الفطرية إلى البروز، ولكن تخوفاً لا يستهان به يحف بهذه التداعيات، عبر كتابة ربما لا تتجاوز عدة كلمات، ولكنها كافية لأن تلبّي حاجات كثيرة فينا، مثلما أنها قادرة على أن تعرّضنا لما لا نرغب في تخيله فكيف في حدوثه. إنها ضريبة العنوان وتجلّينا به إذاً!
وإذا كان من إمكانية للتفريق بين عنوان وآخر من حيث القيمة وهذا قائم، بين رجل الأعمال والسياسي والكاتب أو الفنان مثلاً، إلا أن الأهم في القاسم المشترك الأكبر بين هؤلاء وسواهم، هو الجانب الرمزي في العنوان، هو الحافز المتشكل من خلاله، وخصوصاً عبر انتشار أقنية الاتصال المختلفة، فلا يعود الوقت ملكاً لنا لنيل قسط من الراحة، أو طلب السكينة في البيت وخلافه ونشدان الطمأنينة النفسية مع الذات، فالآخرون ودون تحديد يترصدوننا من جهات مختلفة، ونحن لا نملك خياراً لوضع حد عما يجري، بما أننا ارتضينا أن نقيم علاقة مع العالم الخارجي باعتماد عنوان يُكتَب في زمن وجيز جديد، لكنه كاف بحيث يجعلنا في عراء الزمان والمكان ما بقي دهرنا، إلا إذا أردنا تغييراً له، سرعان ما يعيد دور الأول وهكذا دوليك!
إبراهيم محمود
