يقف قسم التنفيذ في إدارة التراث العمراني في بلدية دبي وراء جميع الترميمات التي حصلت على أشهر المباني التاريخية في دبي وخاصة بيت الشيخ سعيد آل مكتوم وبيت الشيخ حشر و بيت الشيخ جمعة والسوق التقليدي ومساجد الشندغة وغيرها ، وتؤكد ادارة التراث أنها تتجه لإنشاء معهد المهن لتخريج الطاقات المحلية التي تقوم باستكمال مشاريع الترميم في دبي ، وأن الورش المهنية خففت من الاعتماد على الشركات العالمية المختصة كما لدى الإدارة بناؤون قدماء قاموا بتشييد عدة مبان في منطقة البستكية.
يؤكد المهندس أحمد محمود أحمد الذي يشغل منصب رئيس قسم المشاريع في إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، أن الترميمات التي نفذتها في منطقة الشندغة ورشة الحرف المهنية التي يقودها ، لذا فالإمارات بحاجة إلى من يتقن هذه الحرف ويعتبرها من أوليات تنفيذ جميع المشاريع في الدولة. في الحوار الذي أجريناه معه في مكتبه في البستكية، أوضح لنا: « قمنا بإنشاء ورشنا المهنية الخاصة التي جعلتنا نستغني عن الشركات العالمية المختصة من جهة ونقتصد في تكاليف الصيانة والترميم من جهة أخرى. حول هذه الموضوعات كان هذا الحوار التالي نصه :
من أهم المشاريع التي قمتم بتنفيذها هي منطقة الشندغة، ما هي أهم الصعوبات التي واجهتكم أثناء تنفيذ عمليات الترميم والصيانة على المباني التاريخية؟
وصلنا بمشروع الشندغة إلى مرحلته الثانية بشكل عام إذ تركزت المرحلة الأول على ترميم بيوت الشيوخ: بيت الشيخ سعيد والشيخ حشر والشيخ جمعة. قمنا في البداية، تحديد أماكنها القديمة ودراسة أشكال بيوتها القديمة وإجراء لقاءات مع الناس الذين سكنوها، وكذلك قمنا بتجميع الصور. وفي فترة من الفترات، تم هدمها بالكامل من أجل التهيئة لمشروع تطويرها، ولكننا استرجعنا الصورة كلها والحمد لله بفضل توفر الأساسات بصورة سليمة، ولم تتعرض للهدم إلا الأجزاء العليا منها فقط.
ما هي المراحل التنفيذية في عمليات الترميم والصيانة؟
لم تتعرض سوى الشندغة إلى الهدم بطبيعة الحال أما المناطق الأخرى فقد ظلت على حالها دون تغيير، وخاصة منها ما هو موجود بديرة. ويجب أن نعلم بأن القرار حافظ على المباني التاريخية . وكما أسلفت أن وجود الأساسات هو الذي ساعدنا على تنفيذ عمليات الصيانة والترميم التي بدأت في عام 1996 باستثناء بيت الشيخ سعيد الذي تم بناؤه وترميمه في عام 1985.
ما الذي يميّز العمارة في دبي باعتبارها مركزا للسكن الحضري؟
لو ندرس تاريخ دبي كاملاً، نرى أن الخور هو الذي يميزها. ولذلك ركزنا على هذه الصفة أثناء سعينا إلى تسجيل دبي ضمن التراث العالمي لليونسكو، كان أهلنا يعيشون من البحر ويرتزقون منه، ربما يتساءل المرء: لماذا لم يشيدوا بيوتهم على البحر مباشرة رغم قربه؟ السبب يعود إلى أن البحر منطقة مكشوفة، معرضة لعوامل المناخ المتقلبة مثل العواصف والرياح والأمطار.
أجدادي من النوخذة أي العاملين في البحر، أي أن واحدهم كان بمثابة «كابتن» سفن، الخور من أكثر الأماكن أماناً لرسو المراكب. لذلك فإن التكوين العمراني في دبي قائم على هذه الفكرة أي وجود الخور والبيت والبحر في تكوين المدن القديمة. لذا تجد الشندغة مبنية على الخور وعلى أساس هذه الفكرة. حالياً أنجزنا مشروع السوق وتم ترميمها، وحسب الأنشطة الموجودة فيها.
نحن نعمل الآن على تأهيل البنية التحتية للشندغة لإعطائها الحيوية والفاعلية من أجل جذب السياح. والمرحلة الثالثة والأخيرة هي المباني المحيطة ببيوت الشيوخ والتي تحتوي على متاحف عدة . وبيت الشيخ حشر هو بيت العمارة التقليدية حالياً. ويوجد بيت الخيل وبيت الهجن. كما قمنا بترميم مبنى الجمارك، وهو أقدم المباني الإدارية في الشندغة.
طبعاً هناك مبان عديدة قديمة مثل بيت الوكيل البريطاني في السوق الكبير في بر دبي على الخور أيضاً قمنا بتحويله إلى مطعم. المبنى الإداري أي المباني التي لم تكن للسكن بل كمكاتب. وكما تعرفون أن مباني العمارة التقليدية تقسم إلى أنواع: منها مبان دفاعية مثل القلاع والحصون والأبراج، مربعة الشيخ عبيد ومربعة الشندغة ومبان سكنية ومبان دينية ومدارس من ضمنها المدرسة الأحمدية. وكذلك متحف البلدية القديم. وكان في السابق هو مبنى البلدية. الشيخ راشد رحمه الله كان مكتبه هناك.
تدار شؤون البلد من هذا المبنى من تراخيص وبناء ومشاريع وطريق وصرف صحي وبيئة وغيرها في الديرة. رممناه وفتحناه كمتحف سميناه متحف بلدية دبي لأنه من أقدم المباني في دبي واجتاز اليوبيل الذهبي. الذي يميّز الشندغة أن فيها مبنى للجمارك على الخور مباشرة. أعيد بناؤه بعد أن أخذنا رسوماته القديمة. ومن المؤمل أن يصبح متحفاً للجمارك لأنهم يمتلكون عدداً كبيراً من الوثائق والصور القديمة. وهناك متحف الشرطة القديمة في نايف.
كيف يتم تحديد المباني التاريخية قبل تنفيذ عمليات ترميمها؟
نحن كجهة تنفيذية نقوم بدراسة المباني التاريخية قبل العمل على ترميمه، وذلك من خلال كشف الأساسات الموجودة في الأرض وبفضلها تمكنا من بناء وترميم هذه المباني ومن جهة أخرى قمنا بتدعيم المباني الآيلة للسقوط. ولعل ما يميّز قسم التنفيذ هو ذاتية العمل فيه. كان المعروف في دبي سابقاً الاستعانة بالخبرات الخارجية، لكننا انتهجنا طريقاً آخر وهو تجهيز الورش الفنية الخاصة بنا وتأهيل العمالة الفنية من المحترفين بحيث توفر لدينا الآن اختصاصات متعددة في الجص وبناء الحجر والحدادة والأخشاب والحفر وكل أعمال الزخارف والنقوش.
هل يأتي العمال من منطقة معينة؟
كلا لدينا من جميع البلدان ، ويوجد في الورشة مواطنون مختصون في الحفر على الخشب والجص. والمجتمع ليس كله من المتعلمين. ولا كله طبقة غنية لذا يجب فتح مجالات مهنية لهم . ولدينا بناؤون قدماء مثل «عقيل البناء» الذي شيد عدة مباني في منطقة البستكية بيده وبأدوات القديمة. ونحن نستفيد منهم في بناء المناطق القديمة.
على مدى 12 سنة، تمكنا من تكوين هذا الكادر الفني وعندما قارناه بالشركات الأجنبية اكتشفنا بأن كادرنا يتميّز بالمهارة والنوعية ورخص التكاليف. ونعمل حالياً على إجراء دورات لطلبة الجامعات في مجال الحرف التقليدية على الخشب والزخارف الجصية، وهي تلاقي الإعجاب، وطموحنا أن نعمل على إنشاء معهد فني مهني لأننا نفتقر إلى أصحاب المهن الحرفية.
هل لديكم معايير معينة تسيرون عليها؟
نعم يوجد لدينا دليل لأعمال التنفيذ، يحتوي على كل الخطوات التي تصاحب عمليات الترميم والصيانة على المباني التاريخية. لم تكن هذه المعايير متوفرة في السابق. «دليل أعمال الترميم» أصبح الآن منهج عملنا ويستفيد منه أبناء الخليج كله، يحتوي حتى نسب الخلطات في البناء: من الجص والنورة والرمل والصاروج. هناك مدارس كثيرة في هذا الميدان.
هل تساهم مواد البناء في تسجيل المباني التاريخية؟
لكي نسجل المباني التاريخية في لائحة التراث العالمي، نقوم بتشكيل لجان للمراقبة والتفتيش عن المواد المستخدمة في البناء. وإذا كان مبنيا قبل الثلاثينات هناك مواد معينة تعود إلى الخمسينات لذلك وضعنا عام 1950 كمرجع لأنه ما بعد ذلك جاء الأسمنت من اليابان إلى الإمارات لأول مرة، وبدأ البناؤون يخلطون به بعض الرمل ويعملون منه ما نسميه «الطوب المليان أو المتروس».
هذا الطوب استخدم في بعض مباني الستينات. إن التركيب في المباني القديمة ما هو معلوم يختلف عن المباني الحديثة لأن الجدران في الأولى هي التي تحمل السقف بينما في الثانية توجد الأعمدة الخرسانية التي تقوم بهذا العمل. لذلك تجد توزيع الغرف بشكل طولي ـ مستطيل الشكل ـ والعرض لا يزيد على أربعة أمتار، لسبب رئيسي هو أن أطول خشب مدور أي ما نطلق عليه«الجندل» الآتي من شرق أفريقيا كان محدوداً في طوله».
هل هناك طريقاً حديثة في صيانة المباني التاريخية؟
من المعروف أن المباني التاريخية كانت تستخدم الخشب في الأسقف أو الجدران ولذلك تتدهور هذه المباني لأنها معرضة للرمة أو الأرضة أو الرطوبة. ولعدم وجود الأسمنت فيها، فهي تتآكل بشكل سريع مع الماء والرطوبة. لذلك يتم غسل الرمل من الملوحة. وعلى طول فترة عملي ودراستي حاولت أن أبحث عن البديل للمواد مثل استبدال الحديد بالفايبر«جي أر بي» المقوى، وهو عبارة عن أسياخ تتحمل القوة ولا تصدأ، وهي من مخلفات البترول.
لكن ديمومة المباني القديمة يأتي من كونه مشيدة من البيئة ذاتها ولذلك يعمّر أكثر وأية مادة غريبة تدخل فيه من الصناعة والكيمياء تؤدي إلى تلفها بسرعة لذلك تعيش المباني الحجرية فترة أطول. ناهيك عن إننا نجد في المباني القديمة هويتنا لأنها تحافظ على ذاكرة المكان التي لا نجدها في الأبراج الزجاجية.
أحمد محمود أحمد في سطور
* المهندس أحمد محمود أحمد، حاصل على ماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال، من جامعة الشارقة، بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة الإمارات العربية المتحدة ـ العين، دبلوم في الهندسة القيمية والرخصة الدولية في الحاسب الآلي.
* رئيس قسم المباني التاريخية ـ إدارة المشاريع العامة منذ 2003، ورئيس شعبة التنفيذ والإشراف على أعمال الترميم _إدارة المشاريع العامة. ومهندس مشاريع الترميم بقسم المباني التاريخية ـ إدارة المشاريع العامة.
* شارك في ما يزيد عن 87 دورة تدريبية وندوة ومؤتمر في مجالات الهندسة والإدارة والتراث داخلياً وخارجياً.
* عضو لجنة الهندسة القيمية على مستوى بلدية دبي وعضو في لجنة الحفاظ على التراث العمراني. وعضو فريق التحول الإستراتيجي ـ بلدية دبي.
* مؤسس وأحد أعضاء مجلس إدارة جمعية الحفاظ على التراث العمراني بدولة الإمارات العربية المتحدة.
* عضو جمعية المهندسين بدولة الإمارات العربية المتحدة.
تحديد المناطق
تم تحديد عام 1950 كنقطة انطلاق وهي تمثل من 3 إلى 4 % من دبي كاملة من خلال تحديدها كمناطق تاريخية. وهناك قوانين للحفاظ عليها مثل منع أي تدخل تعسفي ضد هذه المباني بحيث لا يحق لمالك المبنى التاريخي أن يقوم بعملية الهدم. وفي حالة رغبته بصيانتها وترميمها أن يعود إلى الجهة الرسمية لكي يتم اعطاؤه الصور والطابع التقليدي الموجود في هذه المنطقة.
شاكر نوري


