يرى الفيلسوف الفرنسي الاجتماعي غوستاف لوبون أن كتاب «ألف ليلة وليلة» كان أول الطريق إلى الاستشراق وانتشار حركته في الغرب، غير أن أثر الليالي في الفنون التشكيليّة جاء متأخراً عن أثرها في الأدب، بدليل أن اهتمام الفن التشكيلي الغربي قبل ترجمة أنطوان غالان لألف ليلة وليلة (1704 ـ 1717) كان يدور حول المواضيع الدينيّة واستيحاء القديم من التراث الإغريقي الروماني، قبل ذلك يمكن تتبع ملامح الليالي في التصوير الإسلامي العربي والفارسي والتركي والهندي، أو في ترقين الكتب والمنمنمات الإسلاميّة بشكل عام.

بعد ترجمة أنطوان غالان وما تلاها من ترجمات إلى مختلف اللغات الأوروبية، لكتاب الليالي، كثرت الرسوم التزيينيّة أو التوضيحيّة التي رافقت معظم طبعات هذه الترجمات، ساهم فيها مئات الفنانين التشكيليين الأوروبيين باختصاصاتهم المختلفة. ظاهرة الاستشراق في الفن التشكيلي العالمي، ليست جديدة، ولم تتوقف حتى تاريخه، فقد كان الوطن العربي، ومنذ بروز الحضارة الإسلاميّة ولا زال، محط اهتمام الفنانين التشكيليين العالميين الذين وجدوا فيه، ملاذاً آمناً لأرواحهم، ومعيناً لا ينضب لإلهاماتهم وإبداعاتهم، بينهم رواد وأعلام كبار مثل: ديلا كروا، بول كلي، كاندينسكي، بيكاسو، ماتيس... وغيرهم الكثير. بعض هؤلاء زار البلاد العربيّة، ومكث فيها لبعض الوقت، وبعضهم الآخر،تواصل معها عبر من زارها من الفنانين والرحالين والدبلوماسيين، إما شفاهة أو من خلال الكتب والدراسات والأعمال الفنيّة التي وضعوها بتأثير من هذه الزيارات، أو عبر الترجمات التي تمت لأمهات الكتب العربية والإسلامية إلى اللغات العالميّة.

يرى الدكتور ثروت عكاشة أن «مصدر إلهام الكثير من الفنانين التشكيليين الأوروبيين، كان إسلامياً، كما أن عالمهم الخيالي مستمد من ألف ليلة وليلة. فقد رسم المستشرقون بعيونهم وألوانهم، عري النساء في مغاطس وبرك الماء، وجلسات الصفاء والخدور والحريم.. الخ. رسموا هذا السحر، من عبق لم يُنسب لحكايات ألف ليلة وليلة، فقد كانت بداية الحلم، جوانب أخرى من حياة المرأة، نقلوها إلينا، وبرزت بقوة في الليالي».

الاستشراق الروسي: الاستشراق الأوروبي في الفن التشكيلي، قديم ومعروف وشاهدنا له مئات المعارض التخصصية، كذلك وضعت حوله عشرات الكتب والأبحاث، أم معلوماتنا عن الاستشراق التشكيلي الروسي، فلا زالت قليلة ونادرة، نتيجة جملة من الظروف السياسية والثقافية لهذه البلاد التي مرت عليها أنظمة مختلفة، من هنا، يشكل كتاب «الوطن العربي في إبداعات الفنانين الروس في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين» لمؤلفه الدكتور عيد اللطيف سلمان.

إضافة هامة إلى المكتبة الفنية التشكيلية العربية، لا سيما وأن دراسة العلاقات الفنيّة بين روسيا والوطن العربي (كما يقول الباحث سلمان) تمتلك أهمية سياسية وثقافية كبيرة، لقدم العلاقات التي تربط بينهما والعائدة إلى بداية القرنين السادس والسابع الميلاديين، أما أقدم وثيقة أدبية ذكرت فيها معلومات عن قيام فنان تشكيلي روسي برحلة إلى الشرق، فإننا نجدها في مقالة أدبية كتبها السياسي والدبلوماسي الروسي العضو في أكاديمية العلوم ديمتري فاسيلوفيتشي داشكوف وهي بعنوان «حجاج روس في القدس» نشرتها مجلة «ألوان شمالية» عام 1826، حيث يُشير الكاتب إلى أنه كان برفقتهم في هذه الرحلة، الأكاديمي المصور مكسيم فارديبوف.

النتائج التي توصل إليها الباحث سلميّة ووديّة العلاقات الروسيّة ـ العربيّة، بالمقارنة مع السياسات الاستعماريّة الاحتلاليّة للعديد من بلاد أوروبا الغربيّة، وقدا انعكس ذلك بشكل أو بآخر، على الإنتاج الفني المباشر الذي أبدعه الفنانون في تلك المرحلة التاريخيّة.

وحول الأعمال التي طاولها بحثه والعائدة لمجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين الروس المستشرقين من أبرزهم: مكسيم فاروبيوف، دمتري يغيمفوف، غريغوري وينكانور تشيرينتسوف، فاسيلي تيم، إيفان أيفازوفسكي، قسطنطين ونيكولاي ماكوفسكي، كاسيلي بالينوف، فاسيلي فيريشاغين، أليكسي كيفشينكو، يان تسيونغلينسكي، ألبرت بينوا، كوزما بيتروف ـ فودكين، مارتيروس ساريان.

وقد أشار الباحث إلى قلة الدراسات والبحوث التي وضعت حولهم، خلافاً لما وضع حول الأعمال الفنيّة الاستشراقيّة الأوروبيّة الغربية، مع أنه تتوفر الآن كافة الظروف الموضوعيّة والفنيّة والسياسيّة لتبادل منتظم في مجال إقامة معارض لمثل هذه الأعمال بين بلدان الوطن العربي وجمهورية روسيا، خصوصاً وأن معظم الأعمال التشكيليّة الروسيّة الاستشراقية، لم يتم دراستها حتى الآن، وما تم التنويه إليه في هذا الكتاب، لا يتعدى الإشارة إلى رحلات مجموعة من الفنانين الروس الذين قاموا بزيارة إلى البلاد العربية.

ويؤكد الباحث د. عبد اللطيف محمد سلمان أن معظم الفنانين التشكيليين الأوربيين، اختاروا مواضيع للوحاتهم مستوحاة من حياة العرب الأثرياء، وكانوا في أغلب الأحيان يزيفون الواقع الذي يرونه بأم أعينهم، بل وباستمرار، كانت تستهويهم بعض المظاهر التي تبدو لهم مبررة، فقط لأنهم استطاعوا ربطها بأحداث وقصص من «ألف ليلة وليلة». ويشير إلى حقيقة قيام الفنان الروسي الاستشراقي بالرسم مباشرةً عن الواقع، ما جعل أعماله صادقة ودقيقة إلى درجة يمكن اعتبارها وثائقية، بينما الشرق العربي في لوحات الفنانين الأوروبيين الغربيين هو شرق التوابل.

إنه الأرض التي تُعتبر بالنسبة إليهم حلماً للاغتصاب والاحتلال، في حين هو عند الفنانين الروس، وطن جميل، يحوي شعباً بسيطاً، حياته مليئة بالأعمال الشاقة القاسية، ويعكس في الوقت نفسه، الطيبة والخير والإحساس الدائم بالجمال الطبيعي لتلك البلاد.

تأثير الشرق على الغرب

تعود بدايات تأثير التقاليد والعادات الشرقية على الفن الغربي الأوروبي إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وبالذات عندما نشأت هناك مدرسة أو اتجاه عُرف بـ (المدرسة الشرقية) في تلك البادرة التي لم تكن تتلخص في تمثيل الملامح الشرقية في الأعمال الفنيّة فقط، بل تعدتها إلى الاستخدام السريع لطبيعة وخواص العمارة الشرقية في بناء المنشآت الأوروبيّة الضخمة، مثال ذالك ما نشاهد في عدة لوحات للفنان الألماني (ألبريشت دورر) الذي شاهد أثناء وجوده في (فلورنسا) عام 1506 تجاراً ودبلوماسيين عرباً وقام باستلهامهم في أعماله.

كما قام الفنان الإيطالي (جنتيللي بلليني) بتلبية دعوة السلطان العثماني (محمد الثاني) لرسم صورة شخصية له، فمكث في تركيا سنتين متتاليتين رسم خلالها العديد من اللوحات الفنية، ثم تتالت الهجرات والزيارات التي قام بها الرسامون والمصورون الغربيون إلى البلدان العربية، بحثاً عن سحر الشرق المطهم، وعوالمه المثيرة التي رسمتها في مخيلاتهم، عوامل عدة، منها: كتاب ألف ليلية وليلة، وكتابات وأحاديث الذين زاروا البلاد العربية لأكثر من سبب وغاية، إضافة إلى تبرم الفنان الأوروبي باجترار التراث الإغريقي الروماني، وبروز المشاكل الاجتماعية والسياسيّة والاقتصادية وسطوتها على الحياة اليومية لبلاده، نتيجة الثورة الصناعية في الغرب.

د. محمود شاهين