«ذاك الذي قدم من قلب مضطرب، السعادة والحب للآخرين»، جملة نقشت على ضريح الأديب البريطاني تيرنس هانبري وايت، الذي حقق شهرة واسعة في عالم الرواية من خلال ملحمته التاريخية «ملك المستقبل الذي كان» والتي استوحى أحداثها من رواية «موت الملك آرثر» لمؤلفها السير توماس مالوري. كما ألهم وايت العديد من الكتاب والشعراء على مر العصور.
حياة وايت الذي ولد في مومباي في 29 مايو 1906 تعد بمثابة رواية تراجيدية بحد ذاتها، فقد عاش طفولة ممزقة بين صراعات والده الذي كان يعمل في الشرطة ومدمن الكحول ووالدته التي أحبته بتملك شديد، وكرست كل حياتها لحبه بعد انفصالها عن زوجها.
أول كتاب له كان «في بريطانيا عظامي» وهو بمثابة سيرة ذاتية ونشر عام 1936، ثم نشر بعدها «العودة إلى الحالة البرية» ويتحدث فيها عن الصقور والصيد وصيد السمك. وبعد قراءته لرواية توماس مالوري عام 1937 بدأ بكتابة الجزء الأولى من ملحمته بعنوان «السيف في الصخرة» عام 1938. وبعد استقراره في أيرلندا كتب الجزء الثاني «ملكة الهواء والعتم» ونشر عام 1939، لينشر بعد ذلك الجزء الثالث «الفارس العليل» عام 1940. اتجه بعد ذلك إلى أدب الأطفال وأصدر أربعة أعمال ليعود إلى إنجاز الجزء الرابع من ملحمته عام 1958 وهو بعنوان «الشمعة والريح». وفي 17 يناير 1964 توفي بأزمة قلبية وهو على متن السفينة العائدة من الولايات المتحدة إلى اليونان حيث دفن هناك. ونُشر بعد وفاته عام 1977 الجزء الختامي لملحمته «كتاب مرلين».
يتناول وايت في روايته أو ملحمته الأسطورية «ملك المستقبل الذي كان» مجموعة من القيم والصفات والفضائل الإنسانية التي حكمت ولا تزال تحكم العالم حتى يومنا هذا، منها الواجب الإنساني والغيرة والقوة في سبيل الحق والحب، والصراع بين الشر والخير من خلال ما فطرت عليه النفس البشرية.
تبدأ أحداث الرواية من طفولة آرثر الابن المتبنى من قبل أحد النبلاء الصغار الشرفاء. وحينما دخل الساحر والحكيم مرلين حياة آرثر ليكون مرشده ومدرسه لزمن طويل، تحولت حياة الطفل إلى مجموعة من المغامرات المرتبطة بالسحر والمعرفة. ومن خلال دخوله عالم الحيوان يعلّم الحكيم آرثر مفاتيح الحياة ومضمونها، ليدرك أن القوة أو السيطرة ليست فضيلة وبأن تبعية القائد العمياء ليست صفة إيجابية وبأن الفكر الفردي الذي يندرج في مصلحة الجماعة كما تعلم من تجربته مع البجع، هو الحل الأمثل لحياة آمنة لا دور فيها للحروب أو السلطة.
ولدهشة آرثر الذي كان يعتقد أن مستقبله متمثل في كونه مرافقا وتابعا لأخيه كاي الذي سيصبح فارسا، يكتشف خلال رحلته مع أخيه ووالده إلى لندن ليجرب كاي حظه بشأن الإعلان القائل (من يقدر على سحب السيف من الصخرة سيكون ملك انجلترا)، أنه قد تمكن بنفسه من سحب السيف من الصخرة دون معرفة مسبقة بما أعلن.
وبدلا من حلمه بأن يصبح فارسا أصبح ملكا متوجا، وأمام دوره الجديد يركع له كاي ووالده ليشعر بالضيق والحيرة. وبعودة الحكيم إليه يبدأ آرثر بإدارة المملكة، ويخطط لإنهاء الحروب وإشاعة السلام والعدل. وهكذا يأتي بفكرة الطاولة المستديرة ليكون دور الفرسان المئة والخمسين المختارين يتمثل في الدفاع عن الضعفاء والمظلومين ومنع الأثرياء من اضطهادهم وسرقتهم.
ولكن مع ازدهار السلام يتضح لآرثر أن الفرسان بدأوا يشعرون بالملل والضيق لتنعكس طاقتهم وقوتهم على الصراع فيما بينهم، كما يدرك علاقة الحب بين زوجته الملكة غوينيفر وأعز أصدقائه الفارس لانسلوت الذي يعتبر من الشخصيات الرئيسية في العمل، ويشكل الصراع الثلاثي فيما بينهم على الصعيد الداخلي والخارجي التمزق بين الفضيلة والإخلاص والوفاء وبين قوة الحب التي يصعب تجاهلها وما يترتب عليها من غيرة وتملك. وفي جانب آخر يعيش الفرسان الخمسة الأشقاء من عائلة أوركني التي تربت على كره الانجليز، والذي زرعته فيهم والدتهم ذات الشخصية النرجسية التي كانت تسخر كل من يحيط بها لخدمة مصالحها ونزواتها. وانتقاما من الملك السابق الذي اغتصب والدتها بعد مقتل زوجها، سعت لإغواء نصف شقيقها آرثر -ابن الملك السابق ووالدتها- دون دراية منه، وأنجبت منه مودريد الذي انضم إلى الطاولة المستديرة وإخوته كأحد الفرسان، ولكن بعد أن زرعت فيه الأم كل حقدها وكراهيتها.
ومن خلال مؤامرة مودريد تتداعى المملكة ويحل الخراب، بعد أن واجه الملك بخيانة الملكة مع لانسلوت وبالتالي فرض عليه محاكمتهما وهو ما كان يتحاشاه على الرغم من معرفته بالأمر منذ البداية، فهو لم يرغب بخسارة صديقه أو غوينيفر التي كانت تحبه بذات المقدار ولكن من دون الشاعرية التي تكنها للانسلوت. وقبل عودة آرثر ولانسلوت إلى بريطانيا للدفاع عن المملكة بعدما توج مودريد نفسه ملكا وتزوج من الملكة، يروي آرثر العجوز التعب إلى فتى من جيشه قصة حياته ويطلب منه بعد وفاته أن يستمر في روايتها، كي ينقل إلى المستقبل أفكاره عن العدالة والحق والسلام.
الكتاب: ملك المستقبل الذي كان
تأليف: تيرنس هانبري وايت
الناشر: ولينز 1958 - لندن
الصفحات: 800 صفحة
The Once and Future King
T. H. White
Collins 1958 - London
800 P.
رشا المالح

