يستمر الجدل قائماً حول أسرار أسمهان، الأسطورة في حكايتها، والأسطورة الصوتية التي لم تنجب الموسيقى العربية بعدها نموذجاً آخر لصوتها، رغم كل ما وصلت إليه الموسيقى العربية وأعلامها المعاصرون الذين شكلوا بأصواتهم المختلفة السيمفونية العربية الغنائية، إلا أن صوت أسمهان يظل متميزاً على كل جماليات الأصوات في عصرها وما بعده.

ولم يتوقف الجدل عما قدمته من إبداع في الغناء، والنقلة التي أحدثها صوتها في عصر لم يكن يعرف مثل هذا النوع الذي كان في زمانه حداثة خارجة عن المألوف، إن هذا الجدل لم يتوقف أيضاً عن سيرتها، بما فيها ولادتها التي قيل أنها ولدت في عرض البحر في الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1912 بعد هروب عائلتها من الأناضول إلى أزمير، ومن أزمير ركبوا زورقاً إلى بيروت، غير أن بعض الدراسات تقول أنها ولدت عام 1917.

بينما يؤكد آخر أنها ولدت عام 1918، لم يكن اسمها أسمهان كما عرفناه نحن من خلال أفلامها وأغانيها، فبعض الباحثين يذكر أن أبيها سماها (بحرية) نسبة إلى مكان ولادتها، غير أن أمها أسمتها (أمل) ولكننا لم نعرف البحرية ولا أمل، أنما عرفناها أسمهان، ذات الصوت الملائكي، التي لا زلنا نسمع أغانيها ونطرب كأننا نسمعها للوهلة الأولى، رغم أن التقنيات الصوتية في زمنها لم تكن تمتلك كل تلك القدرات والمفاتيح التي تحوّل نعيق الغراب إلى تغريد البلابل.

حينما شاهدنا مسلسل حياتها على الشاشة الفضية، تقبلناها بشكل سلبي دون اعتراض، لأننا لم ندرك زمنها إنما كل ما نعرفه عنها تلك الأفلام التي شاهدناها عشرات المرات والأغاني التي لم تستهلك رغم مرور حوالي نصف قرن من رحيلها، ولكننا بدأنا نجتر حكاياتها وأسرارها، ونزيد ونضيف حتى جعلنا منها أسطورة حياتية وفنية، فمنهم من اعتبرها زعيمة وطنية تبذل حياتها من أجل إنقاذ حياة شعبها وأهلها أمراء الدروز في سوريا ولبنان، ومنهم من أعتبرها جاسوسة بريطانية، وآخرين ألمانية، إن الخلط بين العديد من الاجتهادات لم يتح الفرصة للباحث عن تاريخها أن يكون حيادياً في ذكر الحقائق التي ضاعت مع رحيل أسمهان، بعد أن تركت إرثاً كبيراً من فنها للأجيال، وحكايات، وإشاعات، وروايات مدسوسة، أو حقيقية، غطت أحياناً عما تركته من إبداع غنائي.

وإذا كان القدر قد اضطر عائلة الأطرش في الهروب الذي ارتبط بولادة أسمهان، فإن القدر نفسه أجبر عليا والدة أسمهان على اللجوء إلى مصر مع أبنتها أمل وولديها، فؤاد وفريد، الذي أصبح بعد ذلك أحد أهم عمالقة الموسيقى والغناء الشرقي العربي، وكوّن لنفسه مدرسة لحنية وغنائية خاصة عرفت باسمه، وكانت مصر كما هي الآن، بلد الانفتاح والإبداع، فيها يمكن أن يولد المبدع وينمو، ويترعرع، بعد أن تحتضنه وترضعه من ثقافتها الإنسانية الكبيرة، إلا أن مصر هذه المرة مثلما استقبلت واحتضنت أسمهان، كان ترابها المقدس مثواها الأخير.

abdulelah_q@hotmail.com