مؤلف «رسالة الغفران» هو الشاعر الفيلسوف «أبو العلاء المعري أحمد بن عبدالله بن سليمان التنوخي المعري» ولد في معرة النعمان سنة 363هـ وتوفي فيها سنة 449 هـ بعد أن ظلّ خمسين سنة رهين المحبسين ـ العمى والبيت- أما كتابه «رسالة الغفران» فهو من أشهر كتب العربية، صوّر فيه رحلته إلى العالم الآخر وحواره مع الشعراء في أبدع المشاهد المعرفية مستخدماً كل فنون الأدب وبخاصة السخرية منها.

من الكتاب: النابغتان: ويمضي في نزهته تلك بشابين يتحادثان كل واحد منهما على باب قصر من درٍّ، قد أعفي من البؤس والضر فيسلّم عليهما ويقول: من أنتما، رحمكما الله، وقد فعل؟ فيقولان نحن النابغتان، نابغة جعدة بي ذبيان، فيقول: ثبّت الله وطأته: أما نابغة جعدة فقد استوجب ما هو فيه بالحنيفة، وأما أنت يا أبا أمامة فما أدري ما هيّاتك؟ أي ما جهتك، فيقول الذبياني: إني كنت مقرّأ بالله وحججت البيت في الجاهلية، ألم تسمع قولي:

فلا لعمر الذي قد زرته حججاً وما هريق على الانصاب من جسد

وقولي: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة.

وإن الله تقدست أسماؤه عزّ ملكاً وجلّ، يغفر ما عظم بما قل. لقد ظلمني من عاب عليّ، ولو أنصف لعلم أنني احترزت أشدّ احتراز وذلك أن النعمان كان مستهتراً بتلك المرأة فأمرني أن أذكرها في شعري، فأردت ذلك في خلدي،

فقلت: إن وصفتها وصفاً مطلقاً جاز أن يكون يغيرها معلّقاً وخشيت أن أذكر اسمها في النظم، فلا يكون ذلك موافقاً للملك لأن الملوك يأنفون من تسمية نسائهم، فرأيت أن أسند الصنعة إليه، فأقول: زعم الهمام، إذ كنت لو تركت ذكره، لظنّ السامع أن صفتي على المشاهدة، والأبيات التي جاءت بعد داخلة في وصف الهمام، فمن تأمل المعنى، وجده غير مختل، وكيف ينشدون: وإذا نظرت فرأيت أقمر مشرقاً وما بعده؟

فيقول أرغم الله أئف شانئه: ننشد: وإذا نظرت وإذا لمست وإذا طعنت، وإذا نزعت. على الخطاب، فيقول النابغة: قد يسوغ هذا ولكن الأجود أن تجعلوه إخباراً عن المكلّم، لأن قولي: زعم الهمام يؤدي معنى قولنا: قال الهمام، فهذا أسلم، وإذ كان الملك إنمّا يحكي عن نفسه، وإذا جعلتموه على الخطاب قبح: إن نسبتموه إلى فهو مندية،

وإن نسبتموه إلى النعمان، فهو إزراء وتنقض، فيقول: أيد الله الفضل بزيادة مدته، لله درّك يا كوكب بني مرّة، ولقد صحف عليك أهل العلم من الرواة ثم يقول: كيف تروون أيها المرحومون قول النابغة في الداليّة: وإذا نظرت، وإذا لمست، أبفتح التاء أم بضمها؟ فيقولون بفتحها وهكذا يستمر الحوار مع كل شاعر لندرك كم يملك هذا العبقري الرؤية النقدية.

m_alfahed@yahoo.com