تنطوي المسؤولية الفكرية في الكتابة على حاجة بشرية عليا يجد الكاتب نفسه فيها فرداً حامياً للأخلاق، مدافعاً عن الحقيقة، ملتزماً قضايا الإنسان مهما تنوعت جنسيته وثقافته، ومهما اختلفت جغرافيته أونظرته للحياة.
في المنطقة العربية تكثر حقول الألغام في الكتابة، وفي ظل شرطي قابع بهراوته خلف الباب تتعاظم مسؤولية الكتابة بأبعادها العامة، حيث يحظر الاقتراب من حقول الدين والجنس والسلطة ولائحة طويلة من المحرمات وأخرى للمسكوت عنه لاتقل شأنا عن الأولى، تصبح معها مهمة الكتابة بمسؤولية أشبه بعامل الديناميت الذي يخطئ مرة واحدة فقط.
من الخطأ الاعتقاد أن الكتابة بمسؤولية تعني تعرية الواقع ونقده فقط، هناك مناطق لاتقل أهميتها عن ذلك، ومنها الكتابة بمطلق المعرفة، وعدم حجب المعلومة عن القارئ أو تقديمها كاملة له، فلطالما شكل حجب المعلومات عن القراء دافعاً للتكهنات ومشجعاً على إطلاق الشائعات، ولكم يشعر القارئ بالامتنان لمترجم عمل بجد ليوصل الفكرة أو ليتوسع بها طولاً وعرضاً، ولايقل عمل الاعلامي عن عمل المترجم في إيضاح الحقيقة ودفعها للناس، إنه عمل شريف يرتقي إلى مصاف المسؤولية الأخلاقية.
إني واحد من القراء الذين يرفعون القبعات لمن يتسم عمله بالحرفية فلا يترك مصطلحاً دون تعريف أو عَلَماً دون ذكر ميلاده أو رحيله، ولايغلق على القارئ قوس المعرفة قبل توضيح المعنى، وتيسير وصوله بسهولة إلى عقل القارئ، تلك هي مهنة الشرف التي لمستها لدى أساتذة ألفوا أو ترجموا أو حرروا، أساتذة بات حضورهم قليلا بين المطبوع والمقروء هذه الأيام.
من أساليب هؤلاء تعلمت ألا استخدم النقطة إلا في نهاية النص، ومنهم تعلمت فتح الأقواس عند الاقتباس، ووضع الفواصل داخل الفقرات، وكلما تمعنت في كتابتهم قلت «زدني علماً»، تلك هي مسؤولية الشرف الفكري تجاه الأجيال الجديدة، مسؤولية أدركها من قبل معظم العاملين في إنتاج الكتابة، فكانت واجباً وكانت ميزان عمل ناجحا.
هل نفتقدها اليوم، أم نفتقد إخلاص المهنة، أم ترانا نتقبل السيل الجارف على الانترنيت أو من المطابع دونما اعتراض أو تمحيص أو تدقيق، وهنا الطامة الكبرى من سيدقق أو سيمحص، ومن سيعترض!
