(مع هانكا) كتاب جديد للمؤرخ الفرنسي جاك لوغوف الأكثر شهرة فيما يخص حقبة العصور الوسطى الأوروبية. ولكن هذا الكتاب لا علاقة له بالتاريخ الوسيط ولا حتى بالتاريخ بشكل عام ولكنه كتاب عن زوجته ورفيقة عمره هانكا التي توفيت في شهر ديسمبر من عام 2004 في باريس عندما كانت في السبعين من عمرها وبعد حياة مشتركة استمرّت 42 عاما. كانت بولندية وكانا قد تزوجا في وارسو،العاصمة البولندية، عام 1962.
وبعد الإشارة إلى أنه قد بلغ الثمانين من العمر يقول جاك لوغوف في مقدمته :( هذا الكتاب هو كتاب حب وكتاب في الذاكرة. لكنه قبل كل شيء هو محاولة لمنح حياة جديدة لامرأة حسبما كانت في تفرّدها وفي تجربة حياتها. إنها امرأة يقول عنها جميع أولئك الذين عرفوها أنها كانت امرأة رائعة وودودة. وهو أيضا كتاب يرمي إلى إطالة حياتي مع امرأة أحببتها بعمق وسوف أحبها بقوة حتى اليوم الأخير من حياتي) .
ويقدّم المؤلف تلك الزوجة بالقول :(البطلة في هذه السيرة ستكون الزوجة وهي بولندية وطبيبة تركت بلادها ومهنتها كي تتزوج من مؤرخ فرنسي. لكن دون أن تتخلّى عن ثقافتها الأصلية أو عن شخصيتها القوية والهادئة ولا عن استقلالها» . ومن الصفات التي يؤكد عليها جاك لوغوف في زوجته الراحلة هو أنها كانت شديدة الثقة بنفسها ومتحفظّة بنفس الوقت. هذا إلى جانب انتباهها الكبير للآخرين لكن دون أن تقيم صداقات بسهولة.أمّا الملجأ الأساسي الذي كانت تلوذ إليه في ساعات الضيق فيحدده بالموسيقى الكلاسيكية.
ولا يستطيع جاك لوغوف في هذا الكتاب أن يتخلّى عن مهنته كمؤرخ.لذلك يبذل جهدا كبيرا من أجل أن يكتب نوعا من سيرة حياة امرأة بكل ما كانت تمتلكه من صفات فردية ومن تفرّد بنفس الوقت. هذا مع الحرص على أن يضع حياتها في سياق المحيط والحقبة التاريخية التي عاشتها،حتى لو أنها لم تكن قد قامت في واقع الأمر بما يمكن أن يكون باهرا واستثنائيا في نظر « التاريخ الشامل» ،أو «التاريخ الكبير» ،حسب تعبير المؤلف.
إن المؤلف يعود بقارئه،مثلما هو الأمر في قصص الحب، إلى ذلك اللقاء الذي كان كـ (ضربة الصاعقة) العاطفية بينه وبين هانكا. تتوّجت تلك العلاقة بالزواج في بولندا وقدوم هانكا إلى العيش بفرنسا برفقة زوجها. وعبر العودة إلى الماضي بين الحين والآخر يتحدث المؤلف ـ الزوج بإسهاب عن طفولة هانكا في بلادها وعن سنوات شبابها الأولى وحيث نفهم أنها كانت تنتمي إلى أسرتين،من ناحية والدها ووالدتها، تعود أصولهما إلى النبلاء البولنديين.
ويتم الحديث في هذا السياق عن عدد من المؤرخين البولنديين الذين ليس أقلّهم شأنا برونيسلو جيرميك الذي كان المنظّر الرئيسي لنقابة «التضامن» البولندية،كما أصبح وزيرا فيما بعد وقد توفي قبل أسابيع قليلة.وكان جيرميك هو الذي استقدم لوغوف إلى بولندا في نهاية سنوات الخمسينات من القرن الماضي. كما كان هو أحد الشاهدين على زواجه بهانكا. وكان الشاهد الآخر هو مؤرخ الاقتصاد البولندي ويتود كولا.
بهذا المعنى يمثّل الكتاب قصة زوجين، وبحيث يتداخل» تاريخهما الخاص» مع «التاريخ العام» لحقبتهما ولبلديهما. وقد لا يكون من المبالغة القول أن هذا الكتاب يشكّل تأريخا للعلاقات الفرنسية ـ البولندية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الفترة الراهنة. ويغدو المؤلف من هذه الزاوية أكثر اقترابا من مهنة المؤرخين الذين لا يكتبون عادة عن الأشياء الحميمة ؛ وإذا كتبوا عنها فهي تكون غالبا عن بشر من الماضي البعيد، وبحيث لا يكون لعواطفهم تأثيرات على الحقبة الراهنة. كتاب زاخر بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية الرقيقة وبقلم مؤرخ كبير يتحدّث لغة القلب الذي يعتصره الألم من أجل «امراة أحبّها» وليس لغة العقل. وجاءت الكلمات الأخيرة للتأكيد على ذروة الإحساس العاطفي بالوحدة،إذ نقرأ:» كيف يمكنني الاستمرار بالعيش دون هانكا؟» .
قيمة وثائقية
يكتسي الكتاب من هذه الزاوية قيمة كبيرة على الصعيد الوثائقي من خلال رسم ما عرفته تفاصيل الحياة اليومية لأسرة فرنسية ـ بولندية كانت على علاقة وطيدة بالبلدين أثناء فترة الحرب الباردة، ثم بعد ذلك أثناء السنوات التي أعقبت انهيار المعسكر الشيوعي بعد سقوط جدار برلين.
المؤلف في سطور
جاك لوغوف،مؤلف هذا الكتاب، هو أشهر مؤرخ فرنسي معاصر اختصاصي بالعصور الوسطى. درس في مدرسة المعلمين العليا التي تخرّج منها كبار مفكري فرنسا من امثال جان بول سارتر وريمون آرون وغيرهما. لم يحصل لوغوف أبدا على شهادة الدكتوراه،لكن ذلك لم يمنعه من أن يتولّى إدارة مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس خلفا للمؤرخ الكبير فرنان بروديل.والمؤرخان ينتميان إلى المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ المعروفة باسم «مدرسة الحوليات» . من مؤلفاته التي تزيد عن أربعين كتابا نذكر:(عصور وسطى طويلة) و(أوروبا القديمة وأوروبا اليوم) و(المثقفون في العصر الوسيط) و(الحضارة الغربية في العصر الوسيط) ...الخ.
الكتاب : مع هانكا
تأليف: جاك لوغوف
الناشر: غاليمار - باريس ـ 2008
الصفحات: 216 صفحة
القطع: المتوسط
Avec Hanka
Jacques le Goff
Gallimard
Paris -2008
216 P.

