«التوجه إلى الموسيقى» كتاب جديد لطبيب الأمراض العصبية البريطاني اوليفر ساكس المشهور عالميا. وهو يتعرّض إلى ما يعتبره اكتشاف التأثيرات «العلاجية» للموسيقى. ويؤكد في تحليلاته أنه وصل إلى هذه النتيجة عبر عمله لفترة طويلة مع مجموعة من المرضى في أحد المستشفيات المختصّة وكانوا مصابين بعاهات تمنعهم من الحركة تقريبا.

وتتضمن الحالات التي يتعرّض لها المؤلف حالة طبيب جرّاح كانت قد ضربته صاعقة وهو في الثانية والأربعين من عمره وغدا منذئذ مأخوذا تماما بالموسيقى. وحالة مريض مصاب بالفقدان الكامل للذاكرة لكنه تابع عزف المقطوعات التي كان قد تعلّمها أثناء فترة شبابه على البيانو. وحالة طفل في التاسعة من العمر لا يتوقف عن تكرار «هلوسات» موسيقية.

هذه الحالات تشكل مع غيرها المادة الأساسية التي يتعامل معها المؤلف ـ الطبيب. أصحاب هذه الحالات يجمع بينهم قاسم مشترك واحد هو أن الموسيقى تمارس تأثيرا كبيرا على أدمغتهم. ويشير المؤلف إلى واقع أنه أن الموسيقى لا تشكل في واقع الأمر ضرورة بالنسبة لنظام العالم واستقراره. لكن هذا لا يمنعه من القول أنها مع ذلك متجذّرة بعمق في إنسانيتنا إلى درجة أن البعض يرونها سمة «فطرية لدى البشر وليست مكتسبة».

ويلاحظ اوليفر ساكس أنه من المثير للدهشة ملاحظة أن الكتابة، ذات الفائدة التي يختلف عليها اثنان ،إنما هي اختراع ثقافي قريب العهد نسبيا إلى حد أن مجتمعات عديدة لم تتعرّف عليها حتى الآن. بالمقابل الموسيقى موجودة في كل مجتمعات البشر المعروفة دون استثناء بأشكال مختلفة منذ فترة ما قبل التاريخ.وتتم الإشارة هنا إلى اكتشاف ناي مصنوع من العظام قدّر المختصون بعلم الآثار عمره بما يزيد عن 40000 سنة .

ويذهب أكثر من ذلك حيث يعتبر أن الموسيقى ضرورية لحياة البشر مثل اللغة.وينقل عن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو قوله في القرن الثامن عشر أن الموسيقى واللغة تنتميان إلى صيغة بدائية في التعبير جمعت بين الكلمة والموسيقى. لكن تبقى هناك برأيه نقطة استفهام كبيرة عمّا إذا كانت الموسيقى واللغة قد تطورتا في نفس السياق أم عبر سياقين متباينين؟.

بكل الحالات يؤكد المؤلف على الأهمية الاستثنائية التي تكتسيها الموسيقى بالنسبة إليه . يكتب:«لقد جذبت الموسيقى انتباهي باستمرار من عدّة زوايا وإلى درجة لم أكن أتصورها. ذلك عبر إدراكي أنها تؤثر على كل مظهر تقريبا في آلية عمل الدماغ،وبالنتيجة النهائية تؤثر حكما من خلال الدماغ على كل مظهر من مظاهر الحياة».

ويرى المؤلف ـ الطبيب أن الجهاز العصبي يتفاعل مع الموسيقى وأن ردود أفعاله حيالها هي أكثر بكثير مما هو حيال اللغة. ويعيد ذلك إلى كون أن مركز التحكّم بالقدرة على استخدام اللغة موجود في النصف اليساري من الدماغ بينما أن مراكز الاستجابة للموسيقى في الدماغ هي أكثر انتشارا إذ لا تتواجد فقط في نصفي الدماغ ولكنها تتواجد أيضا في القشرة الدماغية والمخيخ ،أي لها تواجد في مختلف «مناطق» الجهاز العصبي.

لكن اوليفر ساكس لا يخرج من هذا بنتيجة سريعة قاطعة مفادها أن الموسيقى هي التي «تصنع» الإنسان بأكثر مما «تصنعه»اللغة. ذلك أن إمكانية التعامل في اللغة هي صفة مشتركة بين جميع البشر،أمّا الحساسية حيال الموسيقى فهي تختلف من شخص إلى آخر. فقط يرى المؤلف أنه يمكن القول «مجازا» أن «الروح تتسم بالتناسق والانسجام ولها استجابة خاصّة مع الموسيقى».

وفي المحصلة يؤكد مؤلف الكتاب بناء على ملاحظاته الشخصية لتجربة حياته وعلى مشاهداته لحالات المرضى الذين عالجهم أنه لدى أغلبية الناس «رصيدا موسيقيا» في رأس كل واحد منهم . وأنه يمكن استخدام هذا الرصيد للحد من الخلل الدماغي أحيانا.

الموسيقى واللغة

تؤكد التحليلات المقدّمة أن الموسيقى لها وظائف ثقافية عديدة .ذلك أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى ممارسة إيقاعات مختلفة في إطار الأفراح والطقوس بشتى أنواعها . ولا يتردد المؤلف في القول أن الموسيقى تستطيع في بعض الظروف نقل مشاعر وانفعالات بطريقة تعجز عنها اللغة المحكيّة أو المكتوبة.

المؤلف في سطور

اوليفر ساكس طبيب بريطاني شهير في الأمراض العصبية وأستاذ في معهد البرت أنشتاين للطب في نيويورك . أولى باستمرار اهتماماً كبيرا للبحث في العلاقة بين العلم والأدب . وقدّم العديد من الأعمال اعتمادا على حالات مرَضية عالجها من موقعه كطبيب. نال على عدة جوائز من مؤلفاته:« الرجل الذي رأى زوجته قبّعة»،وهو العمل الذي أعدّه المخرج الشهير بيتر بروك للمسرح.و«على ساق واحدة»و«الجزيرة المكسوّة بالأبيض والأسود»...الخ.

الكتاب: التوجّه إلى الموسيقى حكايات الموسيقى والدماغ

تأليف: اوليفر ساكس

الناشر: راندوم هاوس. لندن- 2008

الصفحات: 420 صفحة

القطع: المتوسط

Musicophilia

Tales of music and brain

Random house

London- 2008

420 P.