في استثناء نادر من القاعدة، حظي الروائي النرويجي بير بيترسون باهتمام كبير لدى ترجمة رواياته إلى الإنجليزية، ومن هنا بادرت صحيفة «غارديان» اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة معه لدى صدور الطبعة الجديدة من الترجمة الانجليزية لروايته «في السهر على أرواح الموتى».

حيث ألقى الضوء على العالم الخلفي الذي استلهم منه هذه الرواية والمتعلق بمواجهة الإنسان لمرحلة ما بعد حلول كارثة بساحته، وأشار إلى اهتمامه الشديد بالكتابات التي تدور حول الهوامش، وتطرق إلى جوانب من روايته الجديدة التي يعكف على إنجازها، وفيما يلي نص الحوار: يجلس الروائي النرويجي بير بيترسون في ملحق داره الخشبية البيضاء في مزرعته الواقعة على بعد ستين ميلاً إلى الجنوب الشرقي من أوسلو، ويبتسم حيال ما قالته صحيفة «نيويورك تايمز» عنه من أن رواياته «انطلقت كالشهب، ودفعت بالقراء والنقاد إلى نوبات من الاهتمام الكبير المبرر.

وهو يحرص على التأكيد على أنه لا يقسم أعماله إلى ما قبل وما بعد كارثة العبارة التي فقد فيها إلى جانب أبويه كلاً من أخيه وابن عمه خلال الحريق الذي شب في رحلة ليلية للعبارة من أوسلو إلى فريد ريكسها فن في شمالي الدانمارك، وهي الكارثة التي أودت بحياة 159 شخصاً.

ويقول إنه على الرغم من ذلك فإن: «هناك بعض الأشياء التي ما كان بوسعي كتابتها لو أن والدي كانا لا يزالان على قيد الحياة». ومن هذه الأشياء روايته «سيبيريا» التي صدرت بالانجليزية لأول مرة في عام 1998، وأعيد إصدارها مؤخراً، والتي يتخيل فيها حياة أمه عندما كانت فتاة صغيرة تهاجر من جوتلاند الدانمركية إلى النرويج وتتوقع انطلاق مسيرة النازي. وهو يقول في هذا الصدد: «ليس بمقدوري أن أعرف ما الذي كانت تفكر فيه وهي في الثالثة عشرة من عمرها، ولكنها عندما كانت تتحدث عن أخيها فإن وجهها كان يشرق ويتوهج، وعندما كانت تتحدث عن أبيها كان هذا التوهج يغيب عنها.. وهذا شيء يلاحظه المرء حتى وهو طفل، بينما لم ألحظه أنا إلا في الثلاثينيات من العمر، وفي هذا المنعطف تكمن رواية تستحق أن تروى».

يصور العديد من روايات بيترسون شخصية أرفيدا جانسن، وهو يقول عن هذه الشخصية: «إنه ليس ذاتي البديلة، وإنما هو رجل المخاطر البديل بالنسبة لي، حيث تحدث له أشياء كان يمكن أن تحدث لي، ولكنها لم تحدث. إنه يتمتع بذهنيتي». ومن أبرز هذه الشخصيات وأشهرها رواية «في السهر على أرواح الموتى» التي رأت النور قبل ست سنوات بعد ما يصفه بيترسون بـ «الاستئصال»، وهي تصور أرفيد في أعقاب صدمة نجمت عن كارثة تشبه بشكل أو بآخر تلك التي حلت بساحة المؤلف الذي يقول: «إن مايمر به أربعة عشر يوماً خضت أنا غماره في يومين».

إننا نرى أرفيد لأول مرة، في هذه الرواية، في الصباح وهو لايزال تحت تأثير الشراب، حيث يرتطم بزجاج باب مكتبة في أوسلو مماثلة للمكتبة التي كان بيترسون يعمل بها، ويقول له أحد المارة إن أحداً من العاملين في المكتبة لم يصل بعد، ولم يكن أرفيد قد عمل في تلك المكتبة منذ سنوات.

يشير المؤلف إلى أن أرفيد: »يفقد توازنه، فأنت عندما تقع تحت ضغط هائل، فإن قدرتك على السير بصورة متوازنة تتأثر، ويتعين عليك أن تركز بشدة للقيام بما اعتدت على أدائه. وأرفيد يشبه في هذا الصدد شارلي شابلن حيث يجلس على مقعد لكن المقعد ينكسر». وعند منعطف معين في الأزمة الحادة التي يمر بها أرفيد، يلتقي بجارة طيبة تصغي إليه فيما هي تعد شراب الكاكاو الذي يتعين أنه بمثابة الطريق إلى قلب أرفيد الذي يقول:

«عندئذ أحدثها عن العبارة والحريق وكل أولئك الذين لقوا حتفهم وسط ألسنه اللهب، وكيف أنهم جثموا معاً قريبين من بعضهم في ممرات العبارة جنباً إلى جنب كأنهم جسم ممتد.. وتومئ برأسها، فهي تتذكر ذلك الحريق، الجميع يتذكر ذلك الحريق، كلهم يومئون، ويخيم الهدوء عليهم». وعلى الرغم من أن النقاد يشيدون بالحبكة على نحو ما يبدعها بيترسون في رواياته إلا أنه يقول: «آسف، إنني لا أخطط لها على الإطلاق، فكل ما لدي يتمثل في الشخصيات والمناخ، والشعور بأن عليك المتابعة فيما طبقات الرواية تتوالى».

وهناك أيضاً لمسة من الرواية على نحو ما نجده عن نوت هامسون في روايته الشهيرة «الجوع»، وذلك الانفعال المتوهج الذي يخترق اليأس نجده أيضاً في رواية «في السهر على أرواح الموتى». ويقول بيترسون في هذا الشأن، في معرض التعقيب على الصعوبة التي يواجهها أرفيد في الحفاظ على توازنه بعد الكارثة: «أعتقد أن هذا أمر طريف وغريب، ولكنه أيضاً محزن للغاية.

والأمر الذي كان صعباً في كتابة هذه الرواية التي تتسم بالقصر هو الحفاظ على استمرارية الضغط والاندفاع قدماً، أي الضغط على امتداد ثلاث سنوات لتأليف مئتي صفحة». ويبدي الناقد بول بايندنج ملاحظة على جانب كبير من الأهمية، عندما ينظر إلى بيترسون على أنه «أقرب إلى الكتاب الأميركيين منه إلى الكتاب البريطانيين، فأسلوبه مركب إلى حد بعيد، ولكن من دون تلك اللمسة الخفية من الصقل التي يمكن أن تعرقل انسياب أعمال ريموند كارفر أو ريتشارد فورد».

ويشير بيترسون إلى اهتماماته بالكتابات التي تدور حول الهوامش، غير أن الحوار معه يعود بانتظام إلى أصوله فهو قد ينشأ في بيت ينتمي إلى الطبقة العاملة بالمعنى الدقيق لهذا التعبير. وهو يقول في هذا الشأن: «عندما كنت صبياً كنت أعتقد أن الجميع ينتمي إلى الطبقة العاملة». ولكن على الرغم من ذلك فإن لمحات من تولستوي، إبسن، هيني، هيمنغواي وكتاب آخرين تنتزع وتدرج في الحوارات بصورة طبيعية كإشارات إلى الواجبات التي تقتضيها عملية إدارة مزرعة.

وقد كان بيترسون في الثامنة عشرة من عمره عندما أدرك أن الكتب يمكن أن ترشد الشخص باتجاه آخر غير ذلك الذي ترشده إليه الملصقات المعلقة في غرفة نومه، ومنها ملصق بصورة لينين. وهو يقول في هذا الصدد: »لقد خلصت إلى أنني إذا لم أستطع أن أكون كاتباً فإن حياتي ستصبح بائسة، فلدي غرفة الإحالات تلك لكل الكتب التي قرأتها، وهي بمثابة نوع من الفقاعة التي عشت فيها. ولقد كشف لي أحد المدرسين عن الكيفية التي يعمل بها الأدب، فأنت لا تحكي قصة فحسب، وإنما بمقدورك أن تستخدم تكنيكا، أسلوبا، لجعل الأشياء تحدث ولجعل القارئ يحس بشعور معين، وقد كان ذلك اكتشافاً عظيماً».

ومع النجاح الكبير الذي حظيت به روايات بيترسون على الصعيد العالمي، فإنه أصبح يتلقى العديد من الدعوات للمشاركة في معارض ومهرجانات الكتب على امتداد العالم، ولكنه وجد أن ضغط الحياة خارج الكوخ الهادئ الذي يكتب فيه والمنخفض عن داره بمسافة خمسين متراً قرب منحدر جليد يشكل خطراً عليه. وهو يقول في هذا الصدد عن الكتابة في هذا الكوخ: «إنها رائعة، وفي الوقت ذاته فإنها داعية للأسى لأن الجميع يريد التحدث عن العمل الذي أنجزته بالفعل، وأنا أحاول التفكير في الكتاب الذي اشتغل عليه.

ووفقاً للطريقة التي أكتب بها فإنني إذا تم انتزاعي مما أعكف على كتابته فإنه من الصعوبة البالغة بالنسبة لي أن أعود إليه مجدداً». ويذكر بيترسون أنه قد ألغى جولة كان يتعين أن يقوم مؤخراً لقراءة كتبه وتوقيع نسخ منها للقراء. ويقول في هذا الصدد: «لقد قلت إنني مريض، ولم يكن ذلك بعيداً عن الواقع، فقد كنت أحس بأنني تعرضت للغزو.

وقد ابتكر طريقة للتعامل مع الضغط الناجم عن التعرض للقاءات الجماعية، وهو يقول في هذا الصدد: «إنني ممثل يلعب دور بير بيترسون». وهو يشعر بأن استماع عشرة أشخاص إليه في القرية القريبة من مزرعته يجعله أكثر عصبية من استمتاع 600 شخص إليه في مانهاتن. أما السبب في ذلك فهو: »إنك ستواجه رد فعل في اليوم التالي في المتجر المحلي بالقرية، وهو يصلني في اليوم التالي لظهور عبر التلفزيون، حيث يتحدث الجيران عني، وأنا أعرف أنهم يفعلون ذلك».

ويقول بيترسون، أخيراً، إن الرواية الجديدة تضم شخصية تعيش في أجواء مماثلة لتلك التي يعيش فيها والتي تعكس الريف النرويجي بكل ملامحه، ويقول إن بطل الرواية «يجوب أرجاء المنطقة تحت جنح الظلام، تماماً كما هي الحال هنا، ولكنه أنا، إنه نوع من ذاتي المتخيلة».

المؤلف في سطور

ولد الروائي النرويجي بير بيترسون في 18 يوليو 1952 في أوسلو، وعمل أمينا للمكتبات واشتغل ببيع الكتب، قبل أن يقتحم مجال التأليف الإبداعي بإصدار مجموعته القصصية الأولى في عام 1987 والتي أعقبها باصدار خمس روايات أشهرها روايته «سيبيريا» الصادرة عام 1996 و«السهر على أرواح الموتى» الصادرة عام 2002 و«الانطلاق لسرقة الجياد» الصادرة عام 2003.

وهو يعكف الآن على تأليف روايته السادسة. حظي بالعديد من الجوائز وألوان التكريم، حيث رشحت روايته «سيبريا» لنيل جائزة المجلس النوردي للأدب، ونالت جائزة براغ في عام 2000، ونالت روايته «الانطلاق لسرقة الجياد» جائزة النقاد النرويجيين للأدب وجائزة أفضل الكتب مبيعاً عام 2003 وفازت ترجمتها إلى الانجليزية بجائزة صحيفة الاندبندنت للرواية المترجمة عام 2006 وجائزة إمباك الايرلندية عام

منى مدكور