ربما لم يقدر للقارئ العربي أن يقرأ رواية تبقى طويلاً في الوجدان والذاكرة منذ صدمتنا جميعاً رواية «جوع» لنوت هامسون التي تستعصي على النسيان، والتي وصل عمق تأثيرها إلى حد استلهام عدد من الكتاب العرب لملامح منها.
نحن، في هذه الرواية، مع أرفيد جانس، البطل الذي نصادفه في العديد من روايات المبدع النرويجي بير بيترسون، حيث يعكف أرفيد على تذكر السابع من إبريل بالطريقة التي يتذكر بها الكثيرون الحادي عشر من سبتمبر. لقد كان السابع من أبريل هو اليوم الذي فقد فيه أرفيد أبويه وأخويه الأصغر في حريق مروع نشب على متن عبارة، فأودى بحياة الكثيرين. وعلى الرغم من أن ست سنوات قد انقضت على وقوع تلك الكارثة المروعة، إلا أن أرفيد يظل يعاني من حزن غامر يأخذ بجماع القلب ويوشك أن يخنق الروح ويوصد أبواب الأمل في الخروج من هاوية ما تركته تلك الكارثة في نفوس أقارب الضحايا وأصدقائهم.
وأرفيد، الذي طلق زوجته التي أنجب منها طفلتين، يعاني من اغتراب مضاعف، فهو منفصل عن أسرته، ولكنه أيضاً منقطع عن جذوره بفعل الكارثة التي أودت بأقرب الناس إليه، وهو أيضاً في حالة قطيعة مع أخيه الأكبر، وهو الوحيد الباقي على قيد الحياة من عائلته. ويبلغ الحزن من أرفيد مبلغاً لا يتردد في أن يصارحنا معه بالقول: «لست أدري ما إذا كنت لا أزال أريد عائلة بعد الآن، فالأمر يتضمن مخاطرة بالغة».
غير أنه في الوقت نفسه يتوق إلى التواصل الإنساني، وتربطه علاقات متكلفة مع اثنين من جيرانه، أحدهما رجل كردي لا يعرف إلا ثلاث كلمات لا غيرها من اللغة النرويجية، وامرأة تقيم على الجانب الآخر من الطريق. وعلى امتداد مئتي صفحة، يخوض بنا بير بيترسون، ببراعة مذهلة، أعماق الحزن الموجع الذي يعاني منه أرفيد، وهو يجوب أرجاء أوسلو كل يوم، كأنه ينشد مخرجاً من هوة لا يدري كيف تردى فيها وأي معجزة يمكن أن تنشله من قرارها.
لابد للقارئ من أن يتعاطف مع أرفيد، الذي يفتقد عائلته أشد ما يكون الافتقاد، ويشعر في الوقت نفسه بالذنب حيال كل جدل ثار بينه وبين أعضائها الراحلين. وبعد المحاولة الفاشلة للانتحار التي يقوم عليها شقيق أرفيد، فإن هذا الأخير يبدأ بالفعل في شق طريقه لتحقيق الاتصال مع هذا الناجي الوحيد الذي بقي له من عائلته. لكن أرفيد لن يصل إلى وضع قدمه على هذا الطريق إلا بعد أن يكون قد ضاع طويلاً في طرق أوسلو وفي أرجاء الريف النرويجي، وانغمس في متابعة ذكرياته مع أبيه الصارم المتسم بالكفاءة البالغة وأمه التي تكفل له الاطلال على عالم من الرقة والرهافة.
في غضون ذلك علينا أن نتابع الأسرار الكامنة وراء افتتان ارفيد بجارته الجميلة جرينده، وأن نحاول سبر أغوار اللغز الكامل الذي يتمثل في أن هذا الافتتان لا يتحول أبداً إلى حب حقيقي يحمل الوعد بالخلاص من هوة اليأس التي يتردى بها أرفيد. وعلى الرغم من كآبة الموضوع الذي يطرحه بيترسون في روايته، إلا أننا نجد في أرفيد راوية بارعاً، يميل إلى التقليل من شأن نفسه، وفي الوقت نفسه يجسد التناقض الكامن في شجاره مع أعضاء عائلته وهم على قيد الحياة وافتقاده الشديد لهم بعد رحيلهم عنها.
ومن المحقق أنه ليس من قبيل الصدفة أن تحصد هذه الرواية عدداً كبيراً من الجوائز الأوروبية وأن تطرق بقوة أبواب الساحة الأدبية الأميركية، وتثير اهتماماً كبيراً بها وبمؤلفها على السواء. في ختام استعراض مطول للرواية في صحيفة »نيويورك تايمز» نقرأ: «يظهر بير بيترسون، من خلال تمكنه لناصية فنه، العزاء الذي تمنحه الكلمة المكتوبة وكذلك ضرورة التواصل الإنساني، ومن المفهوم في ضوء هذا أن القراء الأوروبيين قد أعجبوا على امتداد سنوات طويلة بأعماله».
وبإيجاز بالغ تصف مطبوعة «لايبراري جورنال» المتخصصة رواية بيترسون بأنها: »رواية عميقة كتبت باقتدار بالغ». وبالإيجاز والتقدير نفسيهما تقول مطبوعة »بيلشرز ويكلي» عن هذه الرواية إنها حققت «إطلالة أميركية أولى مذهلة». ويقول ملحق الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» أيضاً إن: «كلمات بيترسون تتمتع بموسيقى شبيهة بكلمات دبليو. جي. سيبالر». وترى صحيفة «سانت لويس بوست ديسباتش» في معرض التعقيب على رواية بيترسون: «هذه القصة المدهشة تتمتع بشمولية الحب والموت.. وهي تهيمن على القارئ بقوة المقدرة الشبيهة بالتنويم المغناطيسي التي يتمتع بها المؤلف».
ويقول موقع «أمازون» الالكتروني المتخصص في عروض الكتب عن رواية بيترسون: «عندما يفيق أرفيد جانسن ذات صباح من تأثير الشراب عند مدخل إحدى المكتبات في العاصمة النرويجية أوسلو، يعاوده حزنه في التماعات مدمرة، فقد نال الموت من أبويه وأخويه، وفقد اتصاله بزوجته وابنتيه، وتخلى عن عمله مؤلفاً وبائعاً للكتب، وتبددت حياته القديمة. والرواية تحكي لنا قصة خطواته الأولى نحو استئناف حياته تلك ومواجهته التدريجية لكل ما فقده وفي نهاية المطاف لدوره في الكارثة التي أودت بعائلته. وهذه الرواية التي يقدمها بيترسن بالبصيرة والقوة الأخلاقية اللتين تمتع بهما مواطنه نوت هامسون هي الإطلالة الأميركية الأولى لكاتب أوروبي يحظى بتقدير كبير».
وبدوره يشير موقع »بارنز أند نوبل» إلى أن هذه الرواية «مؤلمة، مكبوحة الجماح، غريبة على نحو سوداوي، وفي بعض المواضع مؤثرة على نحو لا سبيل إلى احتماله، وهي تحكي مأساة رهيبة مع بدء رجل في معاودة الاتصال مع العالم الطبيعي، الذي يشكل في بعض الأوقات العزاء الوحيد بالنسبة لنا، عندما نكون قد تعرضا للهجران ويتعين علينا أن نواصل البقاء على قيد الحياة، من خلال السهر على أرواح الموتى».
أياً كان الأمر، فهذه رواية فريدة، وعلى الرغم من عيوبها التي يتصدرها النسيج الكئيب لمادتها وترهل إيقاعها في بعض مقاطعها، إلا أنها تظل عملاً فريداً، يستحق الترجمة إلى اللغة العربية جنباً إلى جنب مع رواية مؤلفها ذات النجاح الكاسح «الانطلاق لسرقة الجياد».
أمام الباب الزجاجي
«كان الأمر متعلقاً بوجه. ولم أكن قد رأيته من قبل قط، لكنني تعرفته، غير أنه فيما يتراءى لي الآن فإن التفكير فيه بعيد عن إدخال السرور على النفس. أعطاني أحدهم قدحاً من الجن.. القدح مليء بالشراب حتى الحافة، ثم لا أتذكر شيئاً أكثر من هذا عدا ذلك الوجه، والآن أقف وجبيني قبالة زجاج باب المكتبة هذا، وألطم الباب. لابد لهم من إدخالي. لست أدري كم من الوقت ظللت واقفاً ها هنا. لقد كنت خارج هذه الدنيا والآن عدت، ولست أحسن بأنني على ما يرام. لم لا يجيء أحدهم ويدخلني إلى المكتبة؟». مقتطف من رواية «في السهر على أرواح «الموتى»
الكتاب: في السهر على أرواح الموتى
تأليف: بير بيترسون
الناشر: بيكادور، نيويورك، 2009
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
In The Wake
Per Petterson
Picadar N.Y., 2009
200 P.

