كتاب «دنيا من المجاز» لمؤلفه الراحل مصطفى ناصف يميل للبحث عن المجازيات في الأدب والثقافة العربية، بل وفي مفاهيم الفلسفة والبحث عن الحقائق في مفاهيم العصر ووفق فلسفاته واتجاهاته ومواقفه فيما يتعلق بالحياة، والتاريخ والتراث، وتلك العلاقات الجدلية التي تنشب بين الحين والآخر بين الخطأ والصواب، أو الثقافة والبلاغة، البادية والحضر.

يسلط الباحث الضوء على تلك العلاقات المتوترة بين القديم والحديث، أو في تأثير الفلسفات وقوتها، أو في فهم الخطاب، أي خطاب يقدم للقارئ، واثر العلاقات الأساسية في هذه الاتجاهات أو كما يقول ناصيف «من الواجب ألا يعزل فهم العلاقات عن الحدث الفردي وألا تفهم أي احتباس للعلامة بمعزل عن الاختيار، الشيء الذي ينبغي أن نتذكره أن بعض الآراء عن العلامة تعلي القهر والاحتباس والتعتيم».

وخلال البحث عن العلامات يتوقف الكاتب هذه المرة مع (فوكو، العلامات، والمجاز الاجتماعي)، حيث يدخل في مفاهيم جدلية عن الدلالة الحرفية، التفكيك بين الانسحاب والمسافة، وسنجد أنفسنا أمام أدوار مرت بها فلسفة العلامات، ورؤى فوكو في مصطلح المجاز: (يقول فوكو أن هذه الجهود في علوم الأحياء والاقتصاد والفيلوجيا، كان مقضياً عليها بالفشل بقدر ما فشلت جهود عصر التنوير كانت جهود القرن التاسع عشر مثل جهود عصر التنوير تبحث عن مفهوم للأصل لكن هذا المفهوم لم يتحقق قط).

ويدخل المؤلف إلى لب الصراع بين فلاسفة الأمس وفلاسفة اليوم ويعتبر في الواقع أننا أمام انفجار في الصراع الفلسفي والحياتي، وفق حوارات، بدون املاءات أو أوامر تعسفية في إطار فهم الذات عبر تفاعلاتنا المستمرة مع المحيط المادي أو الطبيعي، وكذلك الثقافي، وصراعات الناس حول فهم الذات أساساً.

هل تعتمد الحياة المعاصرة على الشفافية وحدها؟

وهنا يتصدى الباحث لهذه المقولة ليضعنا أمام حقائق عدة في أن الحياة لا يمكن أن تنهض بجميع الوظائف، ويجد أن الوظائف ذاتها متعارضة ومتكاملة ويعطينا أمثلة من الحياة اليومية، وكيف يختلط الوعي، بالتخلف والمعتقدات في إطار المجاز ذاته، بل ونجد الإنسان نفسه أمام مختلف الإشكالات والاستغلال الذي تفرضه هذه المجازات المنطقية (ما نزال نعبد الروعة الجمالية، والنفاذ البريء، والصدق الحياتي، وتبجيل السر، والتعاطف والمشاركة، وما إلى هذه العبارات الجذابة)، إن الباحث في هذا الفصل بعد أن يشبع مصطلح المجاز دراسةً وتأويلاً ودلالة يدخلنا في المنطق التحليلي للاستعارة، ويسافر بنا عبر العصور، والأفكار السلفية «والحداثيون»، والحداثة المعاصرة في إطار التحديث بشكل عام وليس في الأدب فحسب.

ويناقش الباحث السلوك المجازي للمجتمعات العربية عبر عصور مختلفة، بل عبر كل النهضات التي مرت بها، واثر ذلك السلوك في الحياة الفكرية، وسلوك البشر، ونتاجهم الفكري والحضاري، معرجاً على الإشكالات التي تمر بها المجتمعات، وعلاقة الثقة التي تبني بين الناس وكافه العوامل الأخرى، (المجازية العربية تتبادر إلى الأذهان، ومن خلالها تقول ما لا نعنيه، ونرتاب، ونخاف، ونطلي، ونزوق، ونرفع من نشاء، ونخفض من نشاء، نكتم أكثر مما نصرح به).

ويفسر الباحث مصير الدليل، الدليل كفكرة واحدة من أساليب عدة لنفهم الأشياء، خارج الساحة الأدبية أو التقنية الضيقة، ليصل أن الكلمات تمتلك هويتها التي يحتاجها الإنسان إلى تحليل فكرة الدليل وهو يقول بهذا الاتجاه (الشيء الذي أتفق عليه الآن هو اختفاء التجربة، وإعطاء السيادة لكلمة اللغة، لكن اللغة المقصودة، ليست طابعاً شمولياً متجانساً إنسانياً، بل هي أقرب إلى فكرة السلطة، والخطابات المتصارعة، والتفتت).

ويذهب د. ناصف إلى الخوف من المجاز وإلى الجدل الدائر حول الانحياز إلى النماذج الهرمية والبساطة، والتقدم وما إلى ذلك مما تدخل في التفاعلات الجماعية والتصنيفات الوظيفية. ويذهب المؤلف إلى بحث إشكالات التفاعلات والتسميات المختلفة للتفاعلات، منها المجاز، والاستعارة، والتلاعب الحر، ونظرية عدم استنفاذ المعنى، والجامع الواضع، وتحقيق الرغبات وفتح الأبواب الموصدة، وما إلى ذلك من فلسفة في طبيعة التسميات ثم ينقلنا الدكتور مصطفى ناصف إلى التفاعلات والقوة الرمزية، ومحاولات المصلحون الجدد في تغيير مفاهيم الاستعارة والمجاز عبر وسائل مختلفة، إذ يقول الباحث في هذا السياق (لقد جعلتنا مجازات الإعلان والسياسية والعولمة التلفزيونية نرتاب في أمر كثير، لقد تحالف المجاز في دوائر كثيرة مع إذكاء التلاعب والغزو النفسي، لا غرابة إذا أنقلب بعض كبار نقاد المجاز على المجاز والأدب والمعاصر).

و يعتبر مصطفى ناصف قوة الحداثة، قوة للمجاز، وهو فصل إلى جانب مادته العلمية والبحثية، فإن في ربطه بين الحداثة الآنية، وحداثة السلف، مركز على حركة التحديث التي قادها أبو الطيب المتنبي، محللاً وممثلاً بنماذج تعتبر غاية في الوصول إلى صيغ حداثية كقول أبو تمام: مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من النظارة يمطر ورغم كل ما كتبه الراحل الدكتور مصطفى ناصف، في هذا الكتاب الذي هو عصارة لتجربته النقدية، فإنه وفي هذا العمر الذي قارب التسعين كان يتطلع إلى المزيد لا في البحث فحسب بل وفي خلق تصورات جديدة للثقافة العربية بعيداً عن طغيان ما نسميه بالحرفية.

الكاتب في سطور

د. مصطفى عبد ه ناصف هو أحد أهم نقاد النصف الثاني من القرن العشرين حيث، ولد عام 1922 ثم تنقل بين جامعات عدة ليدرس مادتي النقد والأدب أمثال (بنغازي، صنعاء، لندن، عين شمس، الأميركية في القاهرة) وغيرها وأصدر عشرات الكتب منها (الصورة الأدبية، نظرية المعنى في النقد، قراءة ثانية لشعرنا القديم، نظرية التأويل، النقد العربي نحو نظرية ثابتة)، وغيرها من الكتب النقدية التي أصحبت مراجع لكل باحث. رحل مصطفى ناصف في يناير من عام 2008، إلا أن ميزته أنه استمر في الحياة مقاوماً بالكتابة التي ظل يمارسها حتى رمقه الأخير، وكان قد أصدر عام 2004 عن مؤسسة العويس الثقافية كتابه الموسوم (الدراسات الأدبية والوعي الثقافي)، وذلك بعد أن فاز بجائزة الدراسات الأدبية والنقد. وثم صدر له كتاب جديد بعد رحيله في يناير 2008، ومن المعتقد أن في أدراجه كتباً أخرى سترى النور بلا شك.

عبد الإله عبد القادر

الكتاب : دينا من المجاز

تأليف : د. مصطفى ناصف

الناشر : المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 2009

الصفحات : 386 صفحة

القطع: الكبير