يقوم كتاب «آليات السرد بين الشفاهية والكتابية» لمؤلفه سيد ضيف الله على فرضية أن السرد الشفاهي والسرد الكتابي نمطان مختلفان من السرد، وأن أسباب ذلك الاختلاف ترجع إلى اختلاف قناة الاتصال، واختلاف السياقات الاجتماعية والتاريخية لكل منهما.
حين قارب الباحث مفهومي «الشفاهية والكتابية» شعر بأنه وقع في «غواية» مفهومين، تلك «الغواية» التي تفسر تعدد مقاربات الباحثين على اختلاف مجالات بحثهم لتلك الثنائية وما تثيره من قضايا وتساؤلات. لقد كانت طبيعة العلاقات بين المفهومين هي التساؤل الأولي لدى الباحث؛ ومن ثم كان السعي لتبين حقيقة الخط الوهمي الفاصل بين «الشفاهية» و«الكتابية»، والذي جعل منهما طرفي ثنائية. وكان من الأهمية بمكان أن يكون السؤال مطروحا على أرضية الثقافة العربية في ضوء ما شهدته العلاقات بين «الشفاهية» و«الكتابية» من تطور.
ومن جانب ثانٍ، كانت شرائط الشيخ فتحي سليمان في السيرة الهلالية، ورواية «مراعي القتل» لفتحي إمبابي، تطرحان تساؤلات خاصة بهما، حيث طرحت رواية الشيخ فتحي سليمان للهلالية تساؤلين؛ أولهما يتعلق بتوسيع مجال التعامل النقدي السردي ليتم التعامل مع الشريط التجاري باعتباره خطابا سرديا شفاهيا، وثانيهما يتعلق بجوانب اختلاف رواية الشيخ فتحي سليمان للهلالية عن السيرة الهلالية المطبوعة. أما رواية «مراعي القتل» فقد طرحت تساؤلا حول دور نهج الكاتب في هذه الرواية تحديدًا المتمثل في «مطابقة المكتوب للمنطوق» في تشكيل عناصر البناء الروائي.
ويبدو أن اكتفاء البحث بالتطبيق على رواية واحدة للهلالية، ورواية واحدة «مراعي القتل» قد يفقد البحث مزايا كثيرة كان يمكن أن يكتسبها ـ هذا البحث ـ لو أنه جعل التطبيق على عدد أكبر من النماذج التطبيقية، ومن هذه المزايا توفير مساحة أكبر لحركة الباحث في اختيار النصوص والشواهد التي تدعم بعض أفكار البحث، وهذا صحيح في عمومه، لكن البحث فرض على الباحث أن يكون تحديد النماذج في أضيق الحدود حتى يمكنه عمليا الإمساك بخيوط البحث على نحو مقبول.
لاسيما أن الاشتغال على رواية فتحي سليمان للسيرة الهلالية يعني أن البحث يشتغل تطبيقيا على ست وثلاثين ساعة تسجيل، هي كل ما استطاع الباحث الحصول عليه من الأسواق وشركات الكاسيت التجارية، وهو عدد ليس بالقليل، ولم يكن بالأمر اليسير التعامل مع هذا العدد من ساعات التسجيل للوقوف على كيفيات تشكيل عناصر البناء السردي في رواية فتحي سليمان الشفاهية، وهي لحسن الحظ رواية شفاهية تم تسجيلها في اتصال حي مع الجمهور، سواء في أفراح أو في غيرها من المناسبات، مما يجعلها نموذجا مناسبا إلى حد بعيد لموضوع البحث.
وفيما يتعلق برواية «مراعي القتل» فقد جاء الاكتفاء بالتطبيق عليها لسببين أنها بمثابة تجربة تطبيقية تمثل استثناء عن قاعدة التأليف الروائي في العالم العربي من حيث نهجها في التأليف الروائي على أساس «مطابقة المكتوب للمنطوق»، وإذا كان ثمة نماذج أخرى شاركت هذه الرواية في هذا النهج بدرجة ما كانت خارج اهتمام الباحث فإن الوشائج الواضحة بين رواية فتحي سليمان للهلالية تحديدا ورواية «مراعي القتل» قد جعل منها النموذج الأكثر مناسبة للتطبيق ليس لأنها أفضل تمثيل للسرد الكتابي، وإنما لأنها محاولة روائية تتمثّل السرد الشفاهي في نهج «مطابقة المكتوب للمنطوق».
وفي سعيه للاشتغال النقدي على هذين النموذجين (رواية سليمان للهلالية ورواية مراعي القتل) أفاد الباحث إلى حد بعيد من إنجاز باختين، لاسيما أطروحتيه حول «صورة البطل» و«صورة اللغة»، كما أفاد من بعض إسهامات منهجية ونقدية أخرى تنتمي إلى «علم الفولكلور»، والسرديات، وعلم اجتماع الأدب، والبنيوية، وإن استخدم هذه الإسهامات باعتبارها أدوات إجرائية يمكن الإفادة منها على نحو من الأنحاء في معالجة السرد الأدبي من منظور الشفاهية والكتابية.
ومن ثم، فإن الباحث في ضوء تساؤلات بحثه وأدواته المنهجية حاول التعرف على الإطار النظري لمفهومي «الشفاهية والكتابية» في ضوء تاريخ العلاقات بينهما في الثقافة العربية، ومحاولة طرح تصور للكيفية التي تطورت بها هذه العلاقات، منطلقا من ضرورة وضع السياق التاريخي والاجتماعي لهذه المفاهيم موضع الاعتبار. وفي ضوء انشغال البحث بهذين المفهومين وكيفية اختلاف تشكيل آليات السرد الأدبي بينهما، حيث تابع تصنيف البحث على نحو منهجي وعلمي وموثق.
الخلاف بين الورثة
يعتقد الباحث سيد ضيف الله أن حفظ رواية فتحي سليمان للهلالية على أسطوانة ممغنطة أمر ضروري، على خلفية الصعوبات التي قابلها للحصول على تلك الشرائط بعد توقف إعادة إنتاج كثير منها، إما لانقسام الشركة المنتجة للشرائط (شركة صوت الغربية) بين الورثة، وبالتالي تفرُّق النسخة الأصلية، التي تتم إعادة طبعها، بين هؤلاء الورثة، أو لما أصاب بعض هذه الشرائط من تلف.
المؤلف في سطور
درس بقسم اللغة العربية، كلية الآداب جامعة القاهرة، ويعمل حاليا مدرسا بمعهد اللغة العربية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، حصل على الماجستير بتقدير امتياز عن موضوع آليات السرد بين الشفاهية والكتابية عام 2004، وصدر له في طبعتين «الآخر في الثقافة الشعبية»، وصدر له كمحرر ثلاثة كتب عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: الإسلام والديمقراطية، والخطابات الدينية وحقوق الإنسان، ونزاهة الانتخابات واستقلال القضاء، ويعد أطروحة الدكتوراه حول أشعار فؤاد حداد من منظور النقد الثقافي.
محمد الحمامصي
الكتاب: آليات السرد بين الشفاهية والكتابية
تأليف: د.سيد ضيف الله
الناشر: الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 2008
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط


