جعل الغرب الرأسمالي، والشرق الاشتراكي، من الألمانيتين الاتحاديّة والديمقراطية خلال الحرب الباردة «فترينات» زاهية وأنيقة ومثالية، لعرض بضاعتهما الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بأبهى صورة، وأجمل شكل، وأرقى صيغة، بهدف الترويج لها، وإقناع الآخرين بها.

مع انهيار سور برلين، انهارت «الفترينا» الاشتراكية، لتتحول ألمانيا الموحدة إلى «فترينا» رأسمالية خالصة، تبدو هذه الأيام، في الجزء الغربي، طبيعية وسليمة «رغم وجود منغصات يُقال إن سببها الألمان الشرقيون الذين انتقلوا إلى جنة الغرب الموعودة» لكنها في الجزء الشرقي، فهي حتى تاريخه، هجينة وملفقة وتمور بالتناقضات المنذرة بتحولات جذريّة، لمجتمع أصيب بنوع من الفصام الذي جعله غير قادر على قبول الحياة الجديدة «حلمه السابق» ولا العودة إلى الحياة القديمة التي اكتشف بعد مغادرته لها، ان لها محاسنها ومزاياها وامتيازاتها المختلفة.

هذا الفصام كان الموضوع الرئيس لمعرض تصوير ضوئي ألماني شهدته كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وصالة المعارض في المركز الثقافي الألماني معهد غوته بدمشق مؤخراً، تحت اسم «صور من ألمانيا ـ ثماني وضعيات تصويرية»، وذلك في إطار احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية. ضم المعرض بقسميه 62 صورة ضوئية منفذة بالألوان، وبالأبيض والأسود عائدة لثمانية مصورين ضوئيين أعضاء في مؤسسة أوست كرويتس للتصوير الضوئي قاموا بإنجازها العام 2005، والصور بشكل عام مكرسة لمواضيع إنسانية إشكالية مأخوذة من الحياة الألمانية اليومية المعاصرة، في أكثر من مدينة وموقع وبيئة.

وكل فنان مشارك في المعرض، تناولها حسب اهتماماته ورؤاه وتصوراته وموقفه، من الحالة الألمانية الجديدة التي انبثقت بتأثير توحد الألمانيتين، وزوال سور برلين الشهير، ولتباين واختلاف هذه التصورات والمواقف، تماهت في صورهم، الرومانسية الحالمة بالواقعية الصارمة، والدعابة الباسمة بالسخرية المرة، وخراب الروح بخراب المادة، والفكر العميق المبطن بأكثر من رسالة بالتلقائية البسيطة الباحثة عن الجماليات الإنسانية والطبيعية القادرة على أن تقدم وبشكل دائم، أسباباً للحياة وحب الحياة!!

نهضت مؤسسة أوست كرويتس للتصوير الضوئي التي ينتمي إليها الفنانون المشاركون في المعرض، على أكتاف سبعة أعضاء من ألمانيا الديمقراطية، أصبحوا اليوم سبعة عشر عضواً، ولا تزال حتى الآن قائمة رغم تنامي النزعات الشعبية، والمتطلبات التجارية في الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة، والتي أدت إلى غياب مؤسسات مشابهة لها، ولهذه المؤسسة جملة من المبادئ الحريصة على التمسك بها، والمحافظة عليها، ومنها حق الإبداع القادر على أن يوفر لكل عضو فيها حرية الإبداع وفرديته بحيث يترك للفنان حرية تناول الموضرع في أعماله، وشكل هذا التناول.

يشير اسم هذه المؤسسة ostkreuz إلى أكبر وأهم محطة مترو في القسم الشرقي من العاصمة الألمانية برلين، وإلى الطرق العديدة المتفرعة عن هذا المركز الهام للمواصلات الداخلية، وتكتنز المؤسسة إمكانات كبيرة، ولها خصوصيتها وتأثيرها وآفاقها المستقبلية الواعدة، لاسيما وأنها تقوم على الفكر المتنوع، وتركز على قيم الإبداع والتجديد، وبمعرضها الحالي يكون قد مضى على تأسيسها خمسة عشر عاماً.

شارك في المعرض ثمانية مصورين من أعضاء هذه المؤسسة في طليعتهم تأتي الفنانة لين شرودر مواليد 1977، التي أطلقت على أعمالها عنوان «قطعة» وفيها رصدت مشاهد من الحياة اليومية المدروسة كعناصر ودلالات ورموز وكقيمة فنية وتعبيرية، فصورها مفعمة بالنزعة التأملية الشاعرية وذات رؤية نظيفة وعميقة ومتنوعة، أما الفنان فولفغانغ بيلفينكل فقد أطلق على أعماله اسم «الموطن الثاني» وهو من مواليد عام 1959.

درس تصميم الاتصالات، وتفرغ لفن التصوير الضوئي منذ العام 1988، حاول في صوره المعروضة رسم مسار رحلة في المقاطعات الألمانية سعياً وراء الحياة الرعوية الهادئة لذلك تعمد الربط بين الإنسان والطبيعة، والمنازل الريفية البسيطة، أو قصرها على الطبيعة الخلوية، في الحالتين، حاول التغلغل في الحياة الريفية الهادئة المبطنة بإشارات بليغة وعكسها عبر قطوعات مدروسة ورصد متقن لتوزيع الضوء والظل على العناصر والأشياء.

وتحت عنوان «الطفولة» تدخل الفنانة آنة شونها رتنغ مواليد 1973، بعدستها الخبيرة إلى البيوت لترصد حياة الطفولة والأمومة، عبر تفصيلات صغيرة معبرة تعكس بعمق معاناة هذه الشريحة المتواضعة في دخلها وحياتها وأحلامها، وهذه الفنانة لا تكتفي بدراسة عناصر صورها وقطوعاتها وإضاءاتها، وإنما تذهب لاستنهاض جوانيّة شخوصها المتباينة التعبيرات والهموم والمشكلات، وانعكاساتها على ملامح وجوههم، ثم تقوم بتسجيلها لحظة توهجها!!..

موضوع مشابه عالجته صور يورديس انتونيا شلوسر مواليد 1967، المنفذة بالأبيض والأسود والموسومة بـ «الجذور الضائعة »، لكن هذا الفنان الباحث عن الهوية الضائعة أضاف إلى ملاعب الطفولة وبؤسها ومحيطها المرتاب وغير السليم، إشارات متفائلة في إمكانية تغيير هذا الواقع، وتحريك رتابة الحياة المعلبة الباردة وكشح بوادر الدمار الروحي والمادي الذي بدأ يطول عالم هذه الشريحة الإنسانية التائهة والمنفصلة عن جذورها.

وتحت عنوان «بحر الشمال» جالت عدسة توماس ماير المولود عام 1967 والدارس للتصميم الغرافيكي والمتخصص بالتصوير الضوئي، راصدة جوانب من الحياة على شاطئ هذا البحر الذي تعانقه الخضرة والرحابة، وتطرزه الطفولة بحضورها الآسر والمعبر، الصورة لدى ماير مأخوذة برؤية فنان مسكون بعشق الطبيعة، وعارف بتجلياتها المختلفة لذلك يدخل عليها بعدسته عندما تتفرغ لجمالها، وتبرز محاسنها وتكشف عن الأوجه الشهية والرائعة فيها.

وعبر «ذكرياتها المتلاشية» المتمثلة ببشكير معلق على جدار، أو جسر حديدي متهالك أو لعبة من البلاستيك أو الخزف، أو جدار أو صورة لرمز سياسي.... عبر هذه الرموز والعناصر حاولت سيبيله بيرغمان مواليد 1941) استعادة رؤية كئيبة عن «الموطن» رؤية متوهجة بحالات وجدانية، وذكريات كانت إلى وقت قريب تضج بالحياة والحيوية، حياة هادئة ورتيبة ومفعمة بالرموز المبجلة، انسحبت إلى الظل لكنها تركت إشارات تدل عليها، وعبر هذه الإشارات حاولت بيرغمان إعادة رسمها.

تشكل الأحداث اليوميّة العادية «أيام الآحاد» لـ انيته هاوزشيلد مواليد 1969، في البلاد ذات الجذور المسيحيّة، الموضوع الرئيس لأعمالها، ويوم الأحد المخصص للراحة والعبادة، يأخذ بعداً جديداً فيها، أقرب لعوالم السوريالية منه للواقع المعاش الذي رصدته بكثير من الأناقة والبساطة والعمق. وأبطال صورها المرأة والرجل والطفل الذين يتخذون وضعيات مختلفة، تعمق وتكمل مداليلها، الخلفية أو المحيط الطبيعي والمعماري الموجودين فيه. بمعنى أن الخلفية تكاملت شكلاً ودلالة، مع الشخوص ووضعياتهم المفعمة بتعابير إنسانية متباينة.

المشاركة الأخيرة في المعرض هي أوته مالر مواليد 1949 التي أطلقت على صورها عنوان «العجوز العصري» أو الناس الذين يقطعون المسافة الأخيرة من الحياة، بانشغالاتهم المختلفة، كالرياضة، والتظاهر، والمثاقفة، والاستجمام، والتحاور وارتشاف جماليات الطبيعة، وإغفاءات ما قبل الرحيل، هذا العالم الإنساني المتلون والعميق في معانيه ودلالاته ورموزه رصدته عدسة مالر بأناقة وحب وصدق ودراسة عميقة لعناصره، والمحيط «الكادر» الذي يتشكل منه «إنسان وعمارة وطبيعة» والأضواء والظلال التي ترتمي عليه، لنجد أنفسنا في النهاية أمام صورة تقول الكثير عن واقع هذه الشريحة من البشر الموجودة في كل مكان وزمان بلغة الواقع القادرة على التواصل مع الجميع، والمصعدة بلغة الفن الخالد، البليغ والساحر!!.

وثيقة صادقة

التماهي المدهش بين الذاتي والموضوعي، في صور المعرض جعل منها وثيقة صادقة في تعبيرها عن هذا البلد ـ ألمانيا، الذي مازال يعاني حتى تاريخه من انعكاسات تقسيمه إلى دول ومناطق نفوذ مختلفة الانتماءات، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء على ألمانيا الهتلرية، تجسدت بقيام دولتين: الأولى ألمانيا الاتحادية التي كانت تديرها بشكل أو بآخر الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، والثانية ألمانيا الديمقراطية التي كان يديرها الاتحاد السوفييتي السابق.

رصد التحولات

حاولت صور المعرض وبأمانة واقعية متماهية بلغة الفن الرفيع والصادق والمتقن، رصد هذه الارهاصات والمنعكسات والتداعيات والتحولات التي تعيشها ألمانيا، لاسيما الشطر الشرقي، ما جعل قيمها الفنية والتعبيرية، تتسامى عن مفهوم الحرفة، أو الفن التطبيقي، أو الصور الوثائقية الجامدة التي التصقت بمسيرة هذا الفن وكانت قرينة وجوده، مستشرفة حقول التعبير الحر والمفتوح المتسم بالابداع، ودون أن يؤثر ذلك، على واقعيتها وموضوعيتها في التعبير عن الواقع المعيش في ألمانيا، بتناقضاته وهواجسه ومفارقاته ومشكلاته الظاهرة والكامنة المستترة، ومن ثم محاولة قراءة تداعيات هذا الواقع مستقبلاً.

د. محمود شاهين