يحكي الذين زاروا حلب من الفنانين وعازفي العود عن مذاق فني خاص لهذه المدينة السورية الشمالية التي أخذت الموشح وطوّرته وخلقت فناً أطلقت عليه اسم «القدود الحلبية». وقد دارت معظم تلك التطورات حول العود الذي كان له شيوخه في المدرسة الحلبية ومن أشهرهم عمر بطش الذي تتلمذ على يديه كثيرون منهم الفنان الراحل صبري مدلل الذي يعتبر أبرز المغنين من تلك المدرسة المميزة.
كان والد صبري مدلل متديناً يصحبه معه إلى المسجد والموالد وكان الولد الطفل يملك صوتاً جميلاً صعد مرة إلى مئذنة الجامع وراح يترنم بالأذان، وهكذا صار يفعل كل يوم... وكان ينظر إلى الأسفل ويرى الناس يجتمعون حول المسجد ينصتون إلى حلاوة صوته، ويقرر الشيخ أحمد المصري بعد ذلك أن يعلّم القارئ المجود صبري مدلل (الغناء) وهو أمر لم يكن بالهين ضمن نطاق مفاهيم تلك الأيام.
وكان عمر البطش قد أصاب شهرة كبيرة بين معاصريه من الملحنين والمغنين، وكان يعطي أهمية كبيرة للتراث. اسمعه صبري مدلل بعض ما حفظ من الليالي، فسر بجمال صوته وقبله طالباً نظامياً في الغناء، يأخذ منه عن كل درس نصف ليرة سورية فقط لا غير، أعطاه أوّل موشح ليغنيه، وهو موشح «كحل السحر عيوننا» فحفظه وغناه وأجاد فيه، ثم راح يعلمه في أداء الموشحات، وعلوم المقامات والأوزان والضروب، إلى أن أتقن كل ذلك، وفي أثناء ذلك تعلّم العزف على العود وعلى عدد من الآلات الأخرى.
ولكنه أثر الضرب على آلات الإيقاع المختلفة، وبرع في الدف خاصة، كأستاذه، وبعد سنة من تعليم الغناء لصبري مدلل، قال له عمر البطش: لن أخذ منك (وظيفة) بعد اليوم، وهي أجرة الدرس الخصوصي، لك مستقبل يا ولدي، سوف أخذك وأعلمك، وهكذا صار يأخذه معه إلى الحفلات، وصار صبري يغني، وأستاذه وراءه على الرق، ثم صار التلميذ يمسك الحفلات، ويأخذ عليها خمس ليرات وظيفة، يعطي عمر البطش منها ليرتين، ويأخذ الباقي. وأصبحت شهرة المغني الجديد تملأ كل مدينة حلب... إلى أن تم افتتاح الإذاعة... وبدأت بوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق.
أخذ عمر البطش تلميذه النجيب إلى مدير الإذاعة في حلب واسمعه موشحاً فسر المدير، وطلب منه أن يداوم ابتداء من مساء الغد، وكذلك توظف عمر البطش وكثير من الفنانين الحلبيين، يقدمون وصلة كل أسبوع. وقد عمل جميع الفنانين في تلك الفترة بروح فنية عالية، بعيدة عن الروح التجارية، كان كل واحد منهم ينتظر وصلته الغنائية في الإذاعة الحلبية التي أنشأها الفرنسيون بروح متوثبة، وتحفز مشوب بالقلق خوفاً من الفشل، وكان الخطأ يعني نهاية الفنان، ونهاية الفرقة الموسيقية التي يعمل فيها، وقد عمل عمر البطش وفرقته في حلب على إحياء التراث، بما فيه من موشحات وقدود ونوبات، وكان مغني الفرقة الشاب صبري مدلل.
وقد احتج صبري مدلل لمدير الإذاعة، فهو لا يأخذ سوى راتبه من الإذاعة، بينما يأخذ غيره أربعين ليرة عن كل حفلة... فأخبره مدير الإذاعة بأن ذلك يحتاج إلى قرار من المدير العام بدمشق، فحمل نفسه إلى دمشق وفحصته لجنة، تتكون من الفنانين: رفيق شكري، ويوسف بتروني وعمر نقشبندي وغيرهم، وقد أسمعهم صبري على أنغام الرصد، ثم باشر الليالي، وأطربهم بموشح «العذارى المائسات وكان يغيّر النغمات ويطلع وينزل، فاعجبوا بأدائه، وسلمه المدير كتاباً رسمياً يباشر فيه الحفلات في الإذاعة وغيرها، وراح اسمه يظهر في إعلانات المجلات».
وقد حضر والده المتدين الورع مرة إلى مبنى الإذاعة ورأى ولده بين الفنانات، فأخبره بأنه غير راضٍ عن هذه المهنة لولده. ومن يومها ترك صبري مدلل الإذاعة ملبياً رغبة الوالد لينصرف إلى تأسيس الفرق الدينية، التي راحت تنشد في البلد مدائح نبوية لا غير من أجل رضا الوالد، كما يقول صبري مدلل، وكان يتمنى لو أنه تابع طريق الغناء في الإذاعة، ولكن ذلك مسجل بكتاب، وأصبحت الفرقة من أحسن الفرق بحلب... وكانت المجلة تسجل له ولفرقته ثلاثين حفلة في الشهر.
بعد ذلك سمعه أحد النمساويين ويدعى كريستيان بوخه، وكان ذلك في مسجد الكلتاوية عند الشيخ النبهاني وطلب إليه أن يذهب إلى فرنسا مع فرقته، فذهب وأحيا حفلتين أو ثلاث، وقد سر الفرنسيون من أدائهم وكانوا يطلبون منهم الإعادة في كل مرة ينتهون منها من نشيد «أحمد يا حبيبي»، وقد سجلت له اسطوانة، طبعت باسمه في فرنسا. ثم تأتيه الدعوات من هونغ كونغ وألمانيا والمغرب وتونس ومصر واليونان، وقد التقى مع عازف العود الشهير منير بشير مرتين، مرة في اليونان، ومرة في القاهرة، وقال له في القاهرة: «أهلين بالصوت الحلو» بعد أن أخذه بين يديه وقبله، ولا تزال الكلمة في أذني، وغنى له: «يا عاقد الحاجبين/على الجبين اللجين/ قتلت غيري مرة/أما أنا فمرتين».
أما عن كثرة المغنين والعازفين في حلب، فقال الشيخ صبري مدلل: «هذا يعود إلى كثرة الزوايا التي تنشد فيها الأوراد والأذكار والمدائح»... ومن الجدير بالذكر أن محمد ملص أخرج فيلماً وثائقياً عن الفنان آخر شيوخ الطرب صبري مدلل لصالح إحدى القنوات الفرنسية.
الولادة والرعاية
ولد صبري مدلل في عام 1918، في حي المشارقة العريق بمدينة حلب... وتوفي عام 2007. وكان والده متديناً يأخذه معه إلى المساجد، ويحضره حفلات الأوراد والأذكار والأناشيد الدينية. وفي مطلع الثلاثينات، أخذه والده إلى الشيخ أحمد المصري، ليعلّمه أمور دينه ويحفظه القرآن الكريم والخط ومسك الدوبيا، واكتشف الشيخ فيه جمال الصوت وهو يرتّل سور القرآن، فكرمه بأن يؤذن لصلاة الظهر من فوق المئذنة الصغيرة.
فيصل خرتش

