المسرح الموجه لجمور الصغار رافد من روافد ثقافة الطفل، وفي الدول والمجتمعات المتقدمة تم الاعتماد عليه بشكل كبير كوسيلة تعليم، ولكن النجاح الذي تم تحقيقه من خلال هذا التوظيف لم يأت من فراغ بقدر ما كانت العملية معقدة وصعبة، وبالاعتماد على كتاب متخصصين ومخرجين لهم دراية كافية بمطالب المرحلة السنية التي يتوجهون إليها، وهناك عناية فائقة في كامل العملية الفنية، هذا عدا ان أعمال مسرح الطفل تلك تلقى الدعم والمساندة التقنية، فعالم الطفل خيال جامح والثقافة المراد تطعيمه وتحصينه بها لا تبتعد كثيرا عن تصيد رغبات الطفل في تغذية حواسه بصور الجمال المختلفة..

ما زال واقع ثقافة الطفل تحيط به علامات استفهام في ظل عالم تهدده التوترات والحروب والفقر والجوع والأمية، ففي تقارير عدة لمنظمة التربية والعلوم التابعة للأمم المتحدة «اليونسكو» تصرخ بالأرقام والنسب المرعبة عن واقع الطفولة في العالم.. والعالم العربي ليس ببعيد عن دائرة هذه الأرقام، ففي احدث تقرير صدر نقرأ أن هناك 1 من كل 3 أطفال في الدول النامية، أي ما مجموعه 193 مليون طفل، يبلغ سن الالتحاق بالتعليم الابتدائي، إلا انه يعاني من سوء التغذية التي أدت إلى أضرار في نمو الدماغ لديه وانحسار آفاق التعليم أمامه، فيما يبقى 75 مليون طفل في عمر الالتحاق بالتعليم الابتدائي، خارج المدارس. وألقى التقرير بالمسؤولية عن التدهور في قطاع التعليم على مزيج من اللامبالاة السياسية، وضعف السياسات الوطنية، وتقاعس الجهات التي تمنح المساعدات عن العمل بالتزاماتها.

ومن واقع التعليم إلى واقع الثقافة الموجهة للطفل تتبين ملامح الغابة المعلوماتية التي تحاصر هذا الطفل، حيث يغيب الفرز كثيرا في الدول النامية ويغيب التخصص، فإذا ما كانت الثقافة العربية بشكل عام تعاني من العديد من المشكلات في ظل واقع ثقافة الاستهلاك السائدة في العصر، فان ثقافة الطفل تعاني إضعافا من هذه المشكلات. فكثير من دعوات الأكاديميين والمختصين العرب يتنادون دائما من اجل تقييم ثقافة الطفل في عالمنا العربي وكثيرا من التوصيات خرجت من مؤتمرات وملتقيات عربية كان مصيرها توصيات مسجلة على الورق لا تنفذ عبر برامج ومناشط عمل على أرضية الواقع.

فهذا مؤتمر يطالب فيه أكثر من 38 باحثا عربيا في مجالات علمية وفنية مختلفة بضرورة تنمية الثقافة العلمية للأطفال العرب وثقافة ذوي الاحتياجات الخاصة والثقافة الترويحية والصحية والبيئية لدى الأطفال، والاهتمام بالتقنية الحديثة في مجالات ثقافة الطفل وركزوا على أهمية تفعيل دور الفنون والمتاحف واللعب في تنمية ثقافة الطفل العربي وتقديم برامج تلفزيونية وإذاعية تساعد على زيادة وعي الطفل وتعمل على تنميته بالإضافة إلى مراعاتها لخصوصيته العربية.

المسرح رافد من روافد تغذية خيال ومدارك الطفل، وهو احد الوسائل الفنية التي طرحها التربويون للاستفادة من تأثيرها على عقلية الطفل وخياله باستغلال الفرجة كوسيط لإيصال المعلومة العلمية والقيمة المثالية وجملة المعارف وتهذيب السلوك عبر فن المحاكاة والتجسيد، وعبر العديد من المحاولات ذهب التربويون إلى مسرحة المناهج المدرسية، فالمسرح وعبر التاريخ بدأ تربويا وتعليميا.

وفي دراسة حول تاريخ مسرح الطفل يشير الباحث المغربي الدكتور جميل حمداوي إلى أن الإغريقيين في مدينة أثينا علموا أبناءهم عن طريق فن المحاكاة وتمثيل الأدوار الدرامية التي تتعلق بالمروءة والفضيلة والشجاعة وفي فرنسا اهتم كبار أعلام المسرح الكلاسيكي بالمسرح المدرسي، حتى إن رجال الكنيسة الذين أعلنوا رفضهم للمسرح وثاروا عليه وشنوا عليه حربا شعواء وجدوا في ممارسة هذا الفن في الحقل التربوي فائدة ومتعة.

وهكذا أيضا يرى الكاتب الأميركي مارك توين إلى المسرح باعتباره من أعظم الاختراعات في القرن العشرين، وأن قيمته كبيرة وإنه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع للسلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة، أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعت الحماسة وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال التي تعد أنسب وعاء لهذه الدروس، وحين تبدأ الدروس رحلتها فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق، بل تصل إلى غايتها إلى عقول أطفالنا».

مسرح الطفل في الوطن العربي بدأ متأخرا ولا زال الاهتمام به يأخذ صفة الفردية حيث يلاحظ انه لم يحظى باهتمام رسمي كبير ولا برعاية كافية باعتباره فن يتطلب الكثير من الحرص على أسلوب التحضير والتقانة، وحتى المهرجانات التي تقام من اجل هذا النوع من المسرح هي مهرجانات قليلة في عديدة، وكذلك غير منضبطة في مواعيدها، ويعاني مسرح الطفل في الوطن العربي أيضا من سيطرة أساليب بائدة في جانب الكتابة والجوانب الفنية.

حيث ما زالت تسيطر المسرحيات التي تجسدها الدمى والممثلون الذين يلبسون ملابس تجسد شخصيات حيوانية، فالثعلب هو الحيوان الذي يلعب دور الشرير والخبيث والماكر في قصص المسرح العربي، وحيوان الأسد هو الملك وهو حاكم الغابة، وباقي الحيوانات كلها تخضع له ولأوامره..

كذلك قصة المرأة السحرية التي تستغلها «شعشبونه» ذات الوجه البشع لكي تخدع بها الأميرة الجميلة لينتقل جمالها إليها وتحيل القبح إليها، هي من الأعمال المسرحية السائدة والمسيطرة، غير عن قصص علي بابا والأربعين حرامي، وعلاء الدين والنصوص المسرحية العديدة التي كتبت عن الصندوق السحري الذي يحتوي كنزا ثمينا وتدور حوله أحداث ينتصر فيها من يستطيع تخليصه من المارد.. فقد طالب المختصون التربيون في الدول العربية بضرورة أن يحمل مسرح الطفل العربي على عاتقه تأصيل اللغة العربية في حياة الطفل بالاتكاء على فنون المسرح، وبمسرحة المناهج وتدعيم ثقافة رصينة تواجه التسطيع وتسليع الفن المسرحي.

اليوم تنتشر مهرجانات مسرح الطفل في شتى بلدان الوطن العربي وبأنواعه المختلفة، مسرح الدمى وخيال الظل والاراجوز والمسرح الذي يؤديه الكبار للصغار. ومن هذه المهرجانات التي تعد وليدة في الساحة المسرحية العربية مهرجان مسرح الإمارات الذي انطلق قبل ثلاث سنوات بدعم من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وتشرف على تسييره جمعية المسرحيين بالدولة..

فقد انطلقت الدورة لمهرجان الإمارات لمسرح الطفل في العام 2006 بعد أن تنادى مجموعة من المسرحيين لوضع لائحة داخلية تنظيمية لهذا المهرجان، وبعد أن أدركوا أن هناك محاولات من بعض الفرق المسرحية الأهلية في الدولة تسعى لتقديم أعمال مسرحية موجهة لجمهور الأطفال واتفقوا على ضرورة تنظيم هذه الأعمال وتنظيم موعد عروضها عبر أيام مسرحية محددة.

في الدورة الجديدة التي نظمت في الفترة من 17 إلى 23 من يناير 2009 شهدت الدورة الرابعة لمهرجان الإمارات لمسرح الطفل الذي ما زال وليدا وما زال يعاني شح الإمكانات في التنظيم ودعم الفرق العاملة والمشاركة تسجيل نقلة نوعية في كم العروض المشاركة التي بلغت احد عشر عرضا مسرحيا، وتنافست هذه العروض على جوائز المسابقة التي يرصدها المهرجان من اجل تقويم العروض وتحقيق مبدأ التنافس..

لكن مجمل العروض تبقى أمام السؤال الأهم والسؤال الحاد: هل ما زالت قصص الحيوانات وعلاء الدين والصندوق السحري والمرأة السحرية هي المواضيع الجاذبة لطفل الألفية الثالثة؟ وهل تقنيات وأساليب الفرجة التي تقدمها هذه العروض متوازية بما يحيط عالم الطفل اليوم من مشاهدات تلعب فيها تقنيات العرض ووسائط الاتصال ووفرة المعلوماتية وأفلام السينما ذات التقنية العالية في إنتاج الفرجة والخيال العلمي؟ و كذلك هل يتواصل طفل اليوم مع أساليب أدائية وأغنيات مكملة للعرض المسرحي هي تقريبا لم تتقدم ولم تتطور منذ سنوات طويلة؟

مثل هذه الأسئلة تفتح المجال أمام حوار طويل حول مستقبل مسرح الطفل، وفي ظل ثقافة الطفل ذاتها والتي يغذيها اليوم فضاء مفتوح النوافذ على أنواع من الثقافات المتعددة المهاجرة عبر الأقمار الاصطناعية.

إن طفل العالم الثالث اليوم ينتزع من مفردات بيئته وثقافتها المتأصلة بحكم انه المأخوذ والمأسور بأفلام الكارتون ذات التقنية العالية والأبعاد الثلاثية التي تحيل الصورة المتخيلة والفرجة المتخيلة إلى واقع. وبما أن هذه الأفلام تعبر إليه من وراء البحار فإنها تأتي محملة بعادات وتقاليد وسلوكيات ومفاهيم مجتمعية لا تمثل محيطه وثقافته. ومن هناك أيضا توجد أصوات عربية قائمة إلى اليوم تطالب بمسرح طفل يتوجه إلى الطفل بالعربي على وجه الخصوص، مسرح يستلهم موضوعاته من أصالة الثقافة العربية وتاريخها.

وهذه الدعوات أيضا تقابلها دعوات أخرى مفادها أن خيال الطفل لا يجب أن تحرسه كتيبة حراسات، ولا يجب أن يؤطر في جمل ضيقة من الممنوعات والمرغبات، وان الخيال الجامح يحتاج إلى مساحة شاسعة للانطلاق ودون حدود.. مثل هذا الجدل تحمله طاولات المنتديات والمؤتمرات التي يتحلق حولها دائما التربيون والمسرحيون العرب وهم يحاولون رسم ملامح مسرح طفل يحقق الأصالة العربية ويفتح النوافذ على الآفاق الأبعد.

الفرجة المسرحية

انبرت أصوات مسرحية عربية عديدة تطالب بضرورة تطوير الفرجة المسرحية الموجهة لجمهور الأطفال في الساحة العربية، وبتحميل مسرح الطفل مهمات كبيرة وعميقة تواكب ثقافة الطفل العربي التي تتعرض لتيارات فنية رخيصة تهدد رصانة هذه الثقافة.

ثقافة رصينة

تم تنظيم العديد من المحاضرات والندوات حول أهمية تطوير هذا الفن الساعي على هامش هذه الدورات المتوالية كان هدفها بلورة ثقافة رصينة تقدم في طبق فني وعبر قنوات الفرجة المدعمة بثقافة بصرية ونصوص أدبية تعمل على طرح موضوعات لها علاقة بتقويم السلوك ونبذ الشر وتعزيز جانب الخير.

التواصل والاهتمام

انطلقت الدورة الأولى لمهرجان المسرح في الإمارات بستة عروض مسرحية حققت نجاحا جيدا، شجع بقية الفرق المسرحية على الانهماك في إنتاج هذا النوع من المسرح. ومنذ تلك الدورة بدأت مسيرة مسرح الطفل تدخل إطار المهرجانية والتخطيط الجدي بشكل سنوي ودوري، وزاد الاهتمام بالحديث عن هذا النوع من المسرح بقدوم نخبة من الأكاديميين والمهتمين العرب والخليجيين بمسرح الطفل.

مرعي الحليان